
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في الوقت الذي تشتد فيه قبضة وزارة الداخلية على ملفات التعمير والبناء العشوائي، وتتعالى فيه نبرة الحزم والصرامة من أعلى هرم الإدارة الترابية، يبدو أن مدينة بنسليمان، وتحديداً حيي السلام وكريم، تعيش خارج سياق هذه الصحوة الوطنية، مقدمةً بذلك نموذجاً صارخاً للتسيب الذي يهدد بتقويض كل الجهود المبذولة لإعادة الاعتبار لصرامة القانون وهيبة الدولة.
لقد كان تصريح معالي وزير الداخلية، السيد عبدالوافي لفتيت، حاسماً لا يقبل التأويل، حين كشف أن قرارات التوقيف والعزل في حق أعوان السلطة من شيوخ ومقدمين المتورطين في التغاضي عن هذه الظاهرة، قد أصبحت اليوم في عهدة رؤساء أقسام الشؤون الداخلية بالعمالات والأقاليم. هذا التأكيد الوزاري، الذي شدد على أن “الوقت لم يعد يسمح بالتراخي”، جاء ليؤكد أن لجان المفتشية العامة للإدارة الترابية تواصل عملها بدقة متناهية، ترصد كل تقصير أو تواطؤ يمس بقدسية القانون.
لكن، في قلب هذا الزخم الوطني لفرض النظام، يبرز حي كريم وحي السلام في بنسليمان كـ “استثناء” مؤلم، تحول فيه احتلال الملك العمومي والبناء العشوائي إلى “مضرب مثل” في الفوضى المستشرية. فالأمر لم يعد يتعلق بمخالفات بسيطة، بل بتعديات وقحة بلغت حد بناء “حدائق” بالآجر والأسمنت المسلح، واحتجاز عدادات الماء والكهرباء داخلها، في مشهد عبثي يشي بغياب تام للرقابة أو تواطؤ فاضح. هذه التعديات، التي تتم على مرأى ومسمع من الجميع رغم أنها كانت لكنها تبقى بناءا عشوائيا واحتلالا للملك العام، تثير تساؤلاً موجعاً : هل بلغت هيبة الدولة من الوهن حداً جعلها تعجز عن هدم هذه المنشآت العشوائية التي تنمو كالفطر، متحديةً كل القرارات الوزارية؟
إن التناقض الصارخ في تطبيق القانون هو ما يزيد من مرارة الساكنة ويقوض الثقة في المؤسسات. فكيف يُعقل أن يتم هدم واقيات حديدية بسيطة، بينما تُستثنى “حدائق” خرسانية ضخمة، هي في جوهرها بناء عشوائي كامل الأركان؟ هذا الكيل بمكيالين ليس مجرد تقصير إداري، بل هو رسالة سلبية خطيرة مفادها أن القانون يُطبق على الضعيف ويُتجاوز عنه للقوي أو المتواطئ.
إن ساكنة بنسليمان، وهي تناشد اليوم السيد العامل والسيد الباشا، لا تطلب سوى تطبيق القانون بإنصاف وصرامة على الجميع دون استثناء. فإما أن يُرفع شعار “لا تهاون” عالياً في كل شبر من المدينة، وإما أن تُعلن الإدارة الترابية عجزها أمام حفنة من المخالفين. إن الاختبار الحقيقي لصرامة الداخلية يكمن اليوم في قدرتها على استئصال هذه “الحدائق” العشوائية، وإعادة الملك العمومي إلى أصحابه، قبل أن تتحول بنسليمان إلى شاهد على تراجع هيبة الدولة أمام زحف الخرسانة المسلحة.