
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في خضم الجدل الدائر حول قرار المحكمة الدستورية المتعلق بقانون المسطرة المدنية، لم يعد الأمر مجرد خلاف تقني حول مادة قانونية أو فصل إجرائي، بل تحوّل إلى معركة أعمق حول حدود السلطة الدستورية وطبيعة الرقابة التي تمارسها أعلى هيئة قضائية في البلاد. لقد كشفت تصريحات وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، عن رؤية ضيقة ومقلقة لدور المحكمة، رؤية تختزل وظيفتها الجوهرية في مجرد “محلّل نزاعات”، لا سلطة لها خارج الإطار الذي ترسمه لها السلطة السياسية، وهو ما يهدد مبدأ سمو الدستور ذاته ويقوض جوهر الرقابة الدستورية.
لقد عبّر الوزير عن غضبه واستيائه بوضوح حين تساءل : “هل هو طعن أم نزاع؟”، مؤكداً أن المحكمة “لا تبتّ إلا في ما يوجد حوله نزاع”، و”ليس لها حقّ البتّ في مواد لا نزاع حولها”. هذا المنطق يشي برغبة سياسية في تكميم فم الرقابة الدستورية، وحصرها في دائرة ضيقة لا تتجاوزها، حتى وإن كانت المخالفات الدستورية صارخة وواضحة أمامها. إن هذا التصور يمثل فهماً قاصراً للوظيفة الجوهرية للقضاء الدستوري، الذي يقوم على مبدأ الرقابة الموضوعية الهادفة إلى حماية النظام الدستوري ككل، وليس مجرد الرقابة الذاتية الهادفة إلى حل نزاع بين طرفين. فالمحكمة الدستورية، في جوهر تأسيسها، ليست مجرد هيئة استشارية أو تحكيمية تفصل في خلافات الأطراف، بل هي الحارس الأمين على الوثيقة الدستورية، وولاية حماية الدستور هي ولاية عامة ومطلقة، لا تقيّدها حدود “النزاع” أو “الطعن” الضيقة وبعبارة أصح هي محكمة قانون ولا يجوز الطعن في قراراتها.
إن مبدأ سمو الدستور يقتضي أن تكون الرقابة على دستورية القوانين رقابة شاملة، تمتد إلى فحص النص برمته للتأكد من مطابقته للوثيقة العليا، وليس الاكتفاء بالنقاط التي أثيرت حولها الشبهات فقط. فمتى ما عُرض على المحكمة نص قانوني، فإن واجبها الدستوري يحتم عليها ممارسة “الرقابة الشاملة”، وهو ما يعني أن المحكمة لا تتقيد بالدفع أو الطعن المقدم إليها، بل تملك سلطة التوسع في الفحص لتشمل كل مادة ترى أنها تتعارض مع المبادئ الدستورية. إن وصف الوزير وهبي لقرار المحكمة بأنه تحويل للقانون إلى “متجر شامل” (في إشارة إلى “سوبر مارشي” الذي تم حذفه) هو تعبير عن صدمة السلطة التنفيذية من ممارسة المحكمة لاستقلاليتها وولايتها الكاملة، وهو ما يكشف عن محاولة واضحة لفرض منطق السلطة التنفيذية على السلطة القضائية.
هذا الصراع ليس جديداً، بل هو تجسيد للتوتر الأزلي بين السلطة السياسية والسلطة القضائية الدستورية. فالمحكمة الدستورية هي مؤسسة “مناهضة للأغلبية”، ووظيفتها الأساسية هي وضع قيود دستورية على إرادة الأغلبية التشريعية والتنفيذية، لضمان عدم تجاوزها للحقوق والحريات والمبادئ المؤسسة للدولة. وعندما تمارس المحكمة دورها بفعالية، فإنها بالضرورة ستثير حفيظة السلطة التي ترى في قراراتها تقييداً لحركتها السياسية. إن موقف الاتحاد الاشتراكي، عبر برلمانيه سعيد بعزيز، الذي أكد أن المحكمة الدستورية مؤسسة فوق السلط، وليست ورشة تابعة للحكومة، يمثل تأكيداً على مبدأ الفصل بين السلطات وضرورة استقلال القضاء الدستوري.
لم يقتصر الأمر على حدود الرقابة على النصوص، بل امتد الجدل ليطال هندسة المؤسسة الدستورية ذاتها، وتحديداً في ملف التجريح في أعضاء المحكمة الدستورية. لقد ذهب وزير العدل عبد اللطيف وهبي إلى منطق غريب حين قال إن الطعن يجب أن يكون في المنتخبين من طرف البرلمان وليس المعينين، لأن “لا يمكن أن تنازع في شخص إلا إذا كنتَ تصوّت عليه”. هذا التصور يخلط بين آليات الديمقراطية التمثيلية ومتطلبات السلطة القضائية الدستورية. فالمحكمة الدستورية، كجزء من هندسة السلطة، يفترض فيها أن تكون فوق الحسابات الانتخابية والمنطق التصويتي الضيق. إن جميع أعضائها، سواء كانوا منتخبين من البرلمان أو معينين من السلطة التنفيذية أو الملكية، يمارسون ولاية دستورية واحدة، ويجب أن يخضعوا جميعاً لنفس آليات المساءلة والتجريح لضمان حيادهم ونزاهتهم. إن محاولة التمييز بين الأعضاء على أساس طريقة التعيين هي محاولة لشق صف المؤسسة وتقويض وحدتها في مواجهة السلطة السياسية، وتفتح الباب أمام تسييس عملية التجريح، مما يهدد استقلال القضاة الدستوريين.
كما أن تجنّب الوزير تقديم تفسير مفصّل حول تعديل يتعلق بتجديد أعضاء المحكمة، والاكتفاء بالإحالة على الجلسة العامة، كان صمتاً أبلغ من الكلام. هذا التجنب يشير إلى رغبة في الحفاظ على ترتيبات معينة داخل المحكمة، قد تتصادم مع روح الدستور الذي يحدد مدة العضوية وتسلسل التجديد بشكل دقيق لضمان تجديد الدماء واستمرارية المؤسسة. إن مدة التسع سنوات المحددة للعضوية ليست مجالاً للتأويل أو التمديد، وهي مدة دستورية تهدف إلى ضمان استقلال القاضي الدستوري عن السلطة التي عينته أو انتخبته. إن أي محاولة للتلاعب بآليات التجديد أو مدة العضوية هي محاولة للسيطرة على المؤسسة من الداخل، وتحويلها من سلطة رقابية إلى أداة طيعة في يد السلطة السياسية، وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً لمبدأ استقلالية القضاء الدستوري.
وحتى نكون أكثر وضوحا، يمكن القول إن ما حدث لم يكن مجرد نقاش قانوني، بل كان كشفاً صريحاً عن الموقف السياسي من الرقابة الدستورية. فالسؤال الذي يطرح نفسه بحدة الآن هو : هل تريد الحكومة دستوراً يراقبها ويضع حداً لولايتها، أم دستوراً تُشرف بنفسها على مراقبته وتأويله وفقاً لأجندتها السياسية؟ إن الإجابة على هذا السؤال لا تحتاج إلى نصوص قانونية جديدة، بقدر ما تحتاج إلى شجاعة سياسية للاعتراف بأن الدستور وظيفته الأساسية هي تقييد السلطة، وأن المحكمة الدستورية هي الأداة التي تضمن تحقيق هذا التقييد، حتى لو أثار ذلك غضب السلطة التنفيذية. إن قوة الدولة تكمن في قوة مؤسساتها الدستورية واستقلاليتها، وليس في قدرة السلطة التنفيذية على احتوائها أو ترويضها. إن المعركة الحالية هي معركة سيادة القانون والدستور، وعلى المحكمة الدستورية أن تواصل أداء دورها كحامية للشرعية الدستورية، غير آبهة بضغوط السلطة أو محاولات تضييق ولايتها.