أسياد الظل حكاية عائلة روتشيلد من غيتو فرانكفورت إلى عرش المال العالمي

صورة نادرة عام 1917 للبارون ناثان روتشيلد وشقيقه ليوبولد

المصطفى الجوي – موطني نيوز

في صورة نادرة تعود إلى عام 1917، يبدو البارون ناثان روتشيلد وشقيقه ليوبولد، واقفين بهيبة صامتة. إنهما ليسا رجلين عاديين، بل حلقتين في سلسلة سلالة استطاعت، بحنكة أسطورية ودهاء لا يُضاهى، أن تتحكم في السياسة والاقتصاد العالمي من خلف الستار لأكثر من قرنين، عائلة روتشيلد. مقولة أمهم التي تحولت إلى نبوءة مخيفة تلخص هذه القوة الغامضة : “إذا لم يُرد أبنائي قيام حرب، فلن تكون هناك حرب”.

تبدأ الحكاية من حي فقير ومتداع في فرانكفورت الألمانية، حيث كان الأب المؤسس، اليهودي ماير أمشيل روتشيلد، يبدأ حياته كتاجر عملات متواضع في غيتو المدينة. لكن ماير لم يكن مجرد صراف؛ كان مهندس إستراتيجية عائلية خالدة. أرسل أبناءه الخمسة ليشيدوا إمبراطورية غير مرئية، ناثان إلى لندن، جيمس إلى باريس، سالمون إلى فيينا، كارل إلى نابولي، بينما بقي أمشيل في فرانكفورت. بهذه الخطوة الذكية، نسج أول شبكة مالية عابرة للقارات في التاريخ، تنقل الأموال والأخبار السرية بسرعة تفوق مراسلات الدول نفسها.

وخلال الحروب النابليونية، برعت العائلة في تحويل الصراعات إلى مناجم ذهب. دعمت التحالف البريطاني ضد نابليون وموّلت الجنرال ويلينغتون بملايين الجنيهات. ولكن اللحظة الأكثر إبهارًا كانت مع ناثان في لندن. باستخدام شبكة سعاة سرية، علم بنتيجة معركة واترلو قبل الحكومة البريطانية نفسها. فقام بحركة ماكرة في البورصة، حين بدأ ببيع أسهمه، مثيرًا ذعر المستثمرين الذين ظنوا أن بريطانيا خسرت، فانهالوا هم أيضًا بالبيع. حينها اشترى ناثان كل شيء بثمن بخس. وعند إعلان النصر، تضاعفت ثروته مئات المرات. لم تربح العائلة الحرب فحسب، بل ملكت اقتصاد بريطانيا العظمى بلعبة واحدة.

من تلك اللحظة، أصبحت مقولة الأم حقيقة ملموسة. امتد نفوذ العائلة ليشمل تمويل البنى التحتية لأوروبا، من سكك حديدية في النمسا والمجر وفرنسا إلى مناجم وقروض سيادية. حتى أن لعبتها امتدت إلى قناة السويس، حيث ساعدت مالياً في شراء حصص مصر نيابة عن بريطانيا في القرن التاسع عشر. وفي سابقة تاريخية، كسرت العائلة حواجز الدين والطبقة في بريطانيا المحافظة، حيث أصبح ليونيل روتشيلد أول يهودي يدخل البرلمان عام 1847 دون أن يُنصِّر نفسه، بعد معركة دامت 11 عامًا. ثم تبعه ناثانيل، الرجل الظاهر في الصورة، كأول يهودي يُمنح لقب لورد في مجلس اللوردات دون تغيير دينه.

ولكن بصمتها الأكثر إثارة للجدل كانت في قلب الشرق الأوسط. ففي عام 1917، صدر وعد بلفور المشؤوم باسم الحكومة البريطانية، لكنه كان موجهاً إلى اللورد ليونيل والتر روتشيلد، الذي مثل الحركة الصهيونية في إنجلترا. تقول الروايات التاريخية إن الوعد جاء بعد مفاوضات معقدة، دعم مالي وسياسي من العائلة لبريطانيا في حربها ضد ألمانيا، وتعهد بتجنيد النفوذ اليهودي في أمريكا لإقناع واشنطن بالانضمام إلى الحلفاء، مقابل وعد بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. مارست العائلة ضغطًا هائلاً عبر وزارة الخارجية والبنك المركزي البريطاني لتمرير الوعد، مستغلة أزمات بريطانيا المالية والعسكرية. ولم يتوقف الدور عند الوعد؛ فقد صنف البارون إدموند روتشيلد، حفيد المؤسس، على أنه “أبو الاستيطان اليهودي في فلسطين”، حيث موّل شخصيًا إنشاء أكثر من 30 مستوطنة مبكرة مثل ريشون لتسيون وزخرون يعقوب، وأنشأ “صندوق الاستعمار اليهودي”، وكان من الممولين الأوائل للبنك الأنكلو-فلسطيني، الذي تحول لاحقًا إلى بنك لئومي الإسرائيلي.

هذه القوة المطلقة تلخصها مقولة ناثان روتشيلد بلا مواربة : “لا يهمني من الدمية التي تجلس على عرش بريطانيا..الرجل الذي يتحكم في مصدر المال البريطاني هو الذي يحكم الإمبراطورية البريطانية، وأنا الذي يتحكم في مصدر المال البريطاني”. هذه هي فلسفة روتشيلد الخالدة، الحاكم الحقيقي ليس من يرتدي التاج، بل من يتحكم بالديون التي يرزح التاج تحتها. ورغم تراجع ظهورها الإعلامي المباشر اليوم، لا تزال العائلة تسيطر على مؤسسات مالية كبرى مثل Rothschild & Co، وتدير ثروات ضخمة عبر القارات، لمواصلة حكايتها الطويلة من التأثير من وراء الستار، مبتعدة عن الأضواء، قريبة من دوائر القرار، حارسة لسر بقائها الأكبر. وهو التحكم في تدفق المال، اللغة العالمية الوحيدة التي تفهمها جميع الإمبراطوريات. وتسجد لها المماليك و الجمهوريات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!