
المصطفى الجوي – موطني نيوز
يبدو أن صخب الوعود المعلقة، وضجيج الحملات الانتخابية التي ترفع شعار “المدينة للجميع”، لم يكن سوى صيحات في واد. ففي مشهد يكرر مهزلة الحي المحمدي ودْيُور الأمان في الدار البيضاء، تنهار هيبة الدولة قطعة إسمنت بأخرى، في حيي السلام وكريم بمدينة السيبة بنسليمان.

الوضع لم يعد مجرد “احتلال” عابر، بل تحول إلى نظام فعلي موازٍ. لقد تحولت “حدائق” الأمس، التي نبتت فجأة وبقوة أكثر منذ 2015 – وهي سنة دالة في مسار هذه الفوضى – إلى غرف سكنية ومحميات مغلقة. لقد تجاوز الأمر مسألة التشويه العمراني إلى تقويض أساسيات الحياة المدنية. فشركة “SRM” المسؤولة عن توزيع الماء والكهرباء تعجز عن أداء واجبها، بعد أن سُجنت عداداتها داخل جدران هذه الغرف العشوائية، لتتحول الخدمة العمومية إلى رهينة بين أيدي محتلي الملك العام.

ولكن الأكثر استفزازاً هو تحول هذه الفوضى إلى “سوق” مُنظم له قوانينه الخاصة و”قادته” المحليين. فالقصة التي تكشفها “مواطني نيوز” ليست عن فوضى عمياء، بل عن فوضى مُدارة. كيف يمكن لسيدة تدعي امتلاك “رخصة” لحديقتها – التي تضم غرفة عشوائية – أن تمنع جارها من بناء مثيلتها، بل وتهدم بناءه وكأنها سلطة تأمر وتنهي؟ هذا المشهد السوريالي يطرح أسئلة نارية ومحْرجة : من الذي سلّم هذه “الرخصة”؟ وأي رخصة هذه التي تشرعن اغتصاب الملك العام؟ هل هي رخصة للاحتلال؟ وإذا كان هذا المحتل يؤدي “واجبات” للجماعة لقاء هذه الرخصة، فما طبيعة هذه الصفقة؟ ولماذا لا تُعمم هذه “الخدمة” على كل الراغبين في البناء على أراضي الدولة، لتصبح بنسليمان مدينة بلا أرصفة ولا طرقات ولا ممتلكات عمومية؟

الاستثناء الحقيقي هنا ليس في حيي السلام وكريم، بل في بقاء هذا الوضع الشاذ. لقد أصبحا مضرب المثل في التسيب ليس بسبب غياب القانون، بل بسبب تطبيق قانون آخر، قانون الغاب، تحت سمع السلطات المحلية وبصرها. يبدو أن الماء كان يُصبّ حقاً على الرمل، وأن الوعود كانت تتبخر مع أول موسم لصبّ الإسمنت. السؤال الذي يصرخ في وجه كل مسؤول : إلى متى ستستمر هذه المهزلة؟ وهل يجب أن تتحول كل مدينة مغربية إلى “ديور الأمان” جديدة قبل أن نسمع صوت إنذار حقيقي؟ الوقت ليس للحسابات السياسوية الضيقة، بل لاستعادة هيبة الدولة من بين ركام هذه الغرف العشوائية، قبل أن ينهار تحت وطأتها معنى المواطنة والشرعية نفسها.
وأي غض الطرف عن الفوضى في مدينة السيبة هو تواطؤ مكشوف لن نتساهل مع المتورطين فيه.
يتبع…