بنسليمان : اتفاقية تمويل النقل الجماعي..قراءة نقدية لمكامن الخلل والغموض التعاقدي

النقل في بنسليمان

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

بعد توصلنا في موطني نيوز بمعلومة تفيد بأن مؤسسة التعاون بين الجماعات (إرتقاء) تستعد للتداول في عدت نقط في اطار دورة إستثنائية بتاريخ 11 دجنبر 2025 من بينها نقطة “اتفاقية تمويل إنجاز الاستثمارات المتعلقة بالتدبير المفوض لمرفق النقل الجماعي بواسطة الحافلات بمدار مؤسسة التعاون بين الجماعات ارتقاء” التي اثارت الكثير من اللغط، وبالتالي كان لا بد لنا من الوقوف على حقيقة الأمر. بحيث تمكنا في موطني نيوز من الحصول على نسخة من هذه الإتفاقية التي تبين لنا انها مشروع اتفاقية من 22 صفحة والتي يظهر انه تم صياغتها في شهر نوفمبر 2025.

فبعد مراجعتنا لها تأكد لنا أن هذه الوثيقة تتناول اتفاقية تمويل تهدف إلى تحديد الإطار العام والالتزامات المتبادلة بين مجموعة من الأطراف لتمويل إنجاز الاستثمارات الضرورية لتشغيل مرفق النقل الجماعي بواسطة الحافلات في مدار مؤسسة التعاون بين الجماعات “ارتقاء”. حيث تبرز الاتفاقية كآلية لتمويل مشروع استثماري ضخم يبلغ إجماليه التقديري 131.01 مليون درهم، ويشمل اقتناء الحافلات وتجهيزها وأشغال التهيئة والبنية التحتية المصاحبة.

بل وتتميز الاتفاقية بتعدد أطرافها، حيث تجمع بين ممثلي الدولة (وزارة الداخلية ووزارة الاقتصاد والمالية)، والسلطات المحلية والجهوية (جهة الدار البيضاء – سطات، إقليم بنسليمان، مؤسسة التعاون بين الجماعات “ارتقاء”)، وشركة التنمية المحلية (المشار إليها بـ “الشركة”). ويستند الإطار القانوني للاتفاقية بشكل أساسي إلى القانون رقم 54.05 المتعلق بالتدبير المفوض للمرافق العامة، وإلى الإطار المالي لصندوق مواكبة إصلاحات النقل الطرقي الحضري والرابط بين المدن.

ولتقريب الساكنة من الموضوع كان من الواجب علينا تقديم قراءة تحليلية نقدية للاتفاقية، مع إبراز مكامن الخلل المحتملة والبنود التي تتسم بالغموض أو عدم الوضوح، والتي قد تؤثر على سير تنفيذ المشروع أو تثير إشكاليات قانونية وتعاقدية في المستقبل. خاصة وأن مكونات مكتب مؤسسة “إرتقاء” ليسوا فقهاء في القانون، وأن هذه الاتفاقيات لابد من استشارة محام أو خبير قضائي للتنوير الحضور.

فمن خلال تحليل بنود الاتفاقية البالغ عددها 14 مادة، تبرز مجموعة من النقاط التي تستدعي التوقف عندها، خاصة فيما يتعلق بالإطار التعاقدي، وتوزيع المسؤوليات، وآليات الحوكمة المالية والإدارية.

كالغموض في تحديد هوية الطرف المتعاقد، حيث يلاحظ تباين في الإشارة إلى الشركة الموقعة على الاتفاقية، مما يثير لبساً حول الكيان القانوني الملزم بالالتزامات:

فالديباجة تشير إلى الشركة بـ “S.A. Urbains” في إحدى الصفحات، بينما يوقع على الاتفاقية “المدير العام لشركة التنمية المحلية “أكادير الكبير للنقل والتنقلات الحضرية”.

وهذا التباين يشكل خللاً جوهرياً في اليقين التعاقدي. فإذا كانت “أكادير الكبير للنقل” هي الشركة المعنية، فيجب توضيح علاقتها بـ “S.A. Urbains” المذكورة. هذا الغموض قد يفتح الباب أمام نزاعات حول المسؤولية القانونية والمالية للطرف المتعاقد، خاصة وأن الاتفاقية تتضمن التزامات مالية واستثمارية كبيرة.

الاتفاقية تعتمد على هيكل تعاقدي متعدد الطبقات، مما يزيد من تعقيد عملية التنفيذ وتوزيع المسؤوليات:

تنص المادة 6 على أن استثمارات الحافلات يتم إنجازها من طرف “الشركة” عبر اتفاقية امتياز تبرم مع المؤسسة، ثم توضع هذه الاستثمارات في إطار عقد التدبير المفوض مقابل “أجرة” يدفعها المفوض إليه.
ففي تحليلنا المتواضع يخلق هذا البند تداخلاً في الأدوار بين اتفاقية التمويل، واتفاقية الامتياز، وعقد التدبير المفوض. فبدلاً من أن يكون المفوض إليه (الذي سيتولى التشغيل) هو المسؤول عن الاستثمار (كما هو شائع في التدبير المفوض)، يتم إسناد إنجاز الاستثمار إلى الشركة عبر اتفاقية امتياز. كما أن مفهوم “الأجرة” التي يدفعها المفوض إليه مقابل استغلال الاستثمارات المنجزة غير محدد المعالم، مما يجعله بنداً ضبابياً قد يؤثر على الجدوى الاقتصادية والمالية للمشروع.

دون أن نغفل هيمنة القرارات الإدارية الداخلية على النص التعاقدي، بحيث تتضمن الاتفاقية بنوداً تجعلها خاضعة بشكل كبير لقرارات إدارية داخلية، مما يقلل من قوتها كوثيقة تعاقدية ملزمة لجميع الأطراف.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، تنص المادة 3 على إمكانية تعديل وتدقيق البرنامج الاستثماري والتكلفة التقديرية بموازاة مع تقدم إنجاز المشروع، ووفقاً للمساطر الداخلية “للجنة الصندوق!!”.

فهذا البند يمنح لجنة الصندوق سلطة واسعة لتعديل جوهري في مكونات المشروع وتكاليفه دون الحاجة إلى إعادة توقيع الاتفاقية من قبل جميع الأطراف. هذا يقلل من اليقين التعاقدي ويجعل الاتفاقية عرضة للتغيير بقرار إداري داخلي ومنفرد، مما قد يضر بمصالح الأطراف الأخرى، خاصة الشركة الملتزمة بالإنجاز. كما أن الإشارة إلى أن المبالغ الواردة في الملحق رقم 3 هي “على سبيل الاسترشاد” تعزز هذه الهيمنة وتؤكد أن القرار المالي النهائي يبقى بيد لجنة الصندوق التي نجهل من تكون ومن يترأسها وكيف يتم إختيارها.

فإشكالية تمويل رأسمال الشركة من الصندوق تثير تساؤلات حول مدى ملاءمة استخدام أموال الصندوق.

حيث يظهر الملحق رقم 3 أن التمويل يشمل تخصيص مبلغ 8.22 مليون درهم لـ”رفع رأسمال الشركة من خلال اكتتاب المساهمين لأسهم جديدة”.

إن استخدام أموال الصندوق (وهو حساب مرصد لأمور خصوصية مخصص لمواكبة إصلاحات النقل) لتمويل رفع رأسمال شركة تنمية محلية يعني تحويل أموال عمومية مباشرة إلى رأسمال شركة خاصة/شبه عمومية. هذا يثير تساؤلات حول مدى ملاءمة هذا الإجراء مقارنة بتخصيص الأموال لدعم الاستثمار المباشر في البنية التحتية أو اقتناء الحافلات. كما يجب التأكد من أن هذا الإجراء يتوافق مع القوانين المنظمة لشركات التنمية المحلية والقواعد المالية للصندوق.

وليس هذا فحسب فالاتفاقية تتضمن بنداً يفتقر إلى الشفافية الكافية فيما يتعلق بتحديد أتعاب الإشراف.

المادة 2 تنص على أن الأجرة عن أعمال الإشراف المنتدب على المشروع فيما يتعلق بأشغال التهيئة محددة بنسبة 3% من قيمة الأشغال دون احتساب الرسوم، وتؤدى لفائدة صاحب المشروع.

وبالتالي فإن تحديد نسبة ثابتة (3%) دون تحديد دقيق لمهام الإشراف أو إخضاعها لمسطرة تنافسية، يمثل ضعفاً في الحوكمة. كما أن دفع هذه الأجرة لـ “صاحب المشروع” (الذي هو المؤسسة أو الهيئة التي تعهد إليها) يثير شبهة تضارب المصالح، حيث يستفيد الطرف المشرف من نسبة مئوية من قيمة الأشغال التي يشرف عليها.

كما يلاحظ تداخل في الأدوار الإدارية والتعاقدية في عملية التتبع. تعهد المادة 9 بتتبع تنفيذ الاتفاقية إلى عامل الإقليم، الذي يقوم بالتنسيق بين الأطراف في إطار لجنة يحدثها ويترأسها.

وكما هو معلوم عامل الإقليم هو ممثل السلطة المركزية. وتكليفه بتتبع تنفيذ اتفاقية تمويل قد يجعله طرفاً في نزاعات تنفيذية بين المؤسسة والشركة، مما قد يخل بمبدأ الحياد الإداري. كان من الأفضل أن تقتصر مهمة عامل الإقليم على التنسيق العام، وأن يتم تحديد تفويضات اللجنة وآليات عملها بشكل واضح في نص الاتفاقية ذاته وليس بقرار لاحق.

وبالتالي فإن رأينا الخاص في هذه الاتفاقية بعد الإطلاع عليها من حيث الشكل تعد هذه الاتفاقية إطاراً مالياً ضرورياً لإطلاق مشروع النقل الجماعي، لكنها تعاني من تعقيد هيكلي وغموض في توزيع المسؤوليات وهيمنة للقرارات الإدارية الداخلية على حساب النص التعاقدي.

كما نتمنى من الجهات المعنية وخاصة من سيصوتون عليها بتاريخ 11 دجنبر 2025 توضيح الإطار التعاقدي، يجب على الأطراف المعنية توضيح العلاقة القانونية بين الشركة الموقعة (أكادير الكبير للنقل) والاسم المشار إليه في الديباجة (S.A. Urbains).

مع ضمان اليقين التعاقدي الذي يجب تقييد سلطة لجنة الصندوق في تعديل البرنامج الاستثماري والتكلفة التقديرية (المادة 3) بحيث لا يتم التعديل الجوهري إلا بموافقة جميع الأطراف الموقعة على الاتفاقية.

بالإضافة إلى مراجعة الحوكمة المالية، بحيث يوصى بمراجعة بند أجرة الإشراف (المادة 2) لضمان الشفافية وتجنب تضارب المصالح، ويفضل أن تخضع لتقدير بناءً على مهام محددة أو مسطرة تنافسية.
 دون ان نغفل عن التأكد من الإطار القانوني للتمويل، يجب التأكد من أن تمويل رفع رأسمال الشركة من أموال الصندوق يتوافق تماماً مع النصوص القانونية المنظمة للصندوق.

أما في ما يخص تحديد الإطار الزمني يجب الإسراع في إبرام عقد التدبير المفوض المزمع إبرامه (المادة 7) لضمان أن يتم صرف التمويل في إطار تعاقدي نهائي يحدد شروط الاستغلال والتشغيل بشكل كامل، لتجنب المخاطر المالية.

ليبقى السؤال الذي يتردد على ألسنة الساكنة هو : ما علاقة شركة التنمية المحلية “أكادير الكبير للنقل و التنقلات الحضرية” بإقليم بنسليمان؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!