
أسية عكور – موطني نيوز
في مدينة تازة، حيث تختزن الجبال ذاكرة التاريخ وتتطلع السهول نحو المستقبل، تحتفي أرض المغرب برمز جديد من رموز ثقافتها الحيوية. من العاشر إلى الثالث عشر من دجنبر 2025، تتنفس المدينة عبق “الدورة الذهبية” للمهرجان العاشر لسينما المقهى الدولي للفيلم الروائي والوثائقي القصير، حاملةً شعاراً طموحاً يجسد تحولاً جوهرياً: “السينما والصناعات الثقافية”.

إنها ليست مجرد ذكرى مرور عقد من العطاء، بل هي قفزةٌ نوعية تؤسس لمرحلة جديدة، حيث يتحول الإبداع البصري من حكاية تروى إلى صناعة تُنتَج، وتُسوَّق، وتُساهم في النهوض بالاقتصاد الثقافي محلياً وعربياً ودولياً.

هذه الدورة، التي أُطلِق عليها اسم “دورة المخرج الراحل محمد الركاب” تكريماً لأحد رواد الفن السابع، جاءت لتؤكد أن الحلم السينمائي لا يعرف حدوداً. فبعد أن رسّخ المهرجان مكانته كموعد سنوي للفيلم القصير، يفتح أبوابه هذا العام للمرة الأولى على عالم الفيلم الوثائقي، معتبراً إياه رافداً أساسياً من روافد السرد البصري المعاصر.

والأجمل من ذلك، هو هذا الانفتاح المؤسساتي المتمثل في دخول حرم الكلية متعددة التخصصات بتازة، عبر شراكة واعدة، مما يخلق جسراً بين الأكاديميا والممارسة الإبداعية، وبين الحرم الجامعي وفضاءات المدينة العامة.

برنامج الدورة الذهبية هو نسيجٌ فني مطرز بالتنوع والعمق. فهو يبدأ بثقافة “الاعتراف”، فيكرم وجوهاً أثرت المشهد الثقافي مثل د. نعيمة بوهلي، ود. حسن هدي، والفنان حميد تيجاوي، والممثل رفيق بوبكر. ويستضيف كضيفي شرف المخرجين الزاوي عبد الرحمان وبراهيمي خالد. ولا يكتفي بالاحتفاء، بل يغوص في الفكر عبر ندوة علمية تحمل شعار الدورة، يشارك فيها خبراء وأكاديميون لقراءة العلاقة المتشابكة بين السينما والصناعة.

لكن روح المهرجان الحقيقية تكمن في بذوره التي يغرسها للمستقبل. ففي ورشاته التطبيقية، يتعلم طلبة الكلية أسرار السيناريو على يد عبد الإله حمدوشي، وفن تصوير الحياة البرية مع المصور ميدة عبد الغني، وأسرار الرؤية الإخراجية مع د. السهلي بلقاسم.

وفي خطوة إنسانية لافتة، تمتد هذه الورش لتشمل نزيلات المؤسسة السجنية والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، عبر ورشة “الهالوين والخدع السينمائية” التي تؤطرها الفنانة فرح آسية عكور، مؤكدة أن الفن حق للجميع، ووسيلة للانعتاق والإلهام.

لقد تلقّت إدارة المهرجان 220 فيلماً احترافياً، ليكون محصلة الانتقاء الدقيق 15 فيلماً روائياً و9 أفلام وثائقية، ستتنافس تحت أنظار لجنتي تحكيم متخصصتين. الأولى للفيلم الروائي برئاسة الناقد د. يحي عمارة، والثانية للوثائقي برئاسة الممثل جواد العلمي وبمشاركة ناقدة بلجيكية، في إشارة إلى البعد الدولي للمهرجان.

هذا التنافس لن يكون محصوراً في قاعات العرض التقليدية، بل سيتسلل، كما هوية المهرجان، إلى المقاهي، ليعيد للفضاء الاجتماعي الشعبي دوره كمنصة للحوار والجمال.

ولا يغفل المهرجان، وهو يحلق بعيداً، عن جذوره المجتمعية. فقبل انطلاقته الرسمية، كانت هناك عروض استباقية في المرافق الاجتماعية والسجنية والتعليمية، وحوارات جادة مع أطفال دور الفتاة والطالب، وجمعيات الكشاف، ومؤسسات ذوي الاحتياجات الخاصة. إنه إيمانٌ راسخ بأن زرع بذرة الثقافة البصرية في نفوس الصغار والمهمشين هو استثمار في مستقبل أكثر إشراقاً وتعدداً.

تحت سقف هذا الحلم الكبير، تقف تحديات وإكراهات، لكن إرادة القائمين عليه، بدعم من المركز السينمائي المغربي والمجلس البلدي لتازة والجامعة الوطنية للأندية السينمائية ووزارة الثقافة، تحوّلها إلى حافز. الدورة الذهبية لسينما المقهى بتازة ليست مجرد مهرجان، بل هي بيان ثقافي. بيان يقول إن السينما فن، وصناعة، وتعليم، وإدماج، واقتصاد.

إنها احتفاء بالهوية المغربية في تنوعها، وانفتاح على أخواتها من الثقافات، وخطوة واثقة نحو جعل المغرب فاعلاً محورياً في خارطة الصناعات الإبداعية العالمية. فلتشرق شمس الذهب في تازة، ولتكن عرساً لكل المتعطشين للجمال والحياة.