
المصطفى الجوي – موطني نيوز
عندما أطلق جوليان أسانج، مؤسس موقع ويكيليكس، مقولته الشهيرة في عام 2011 بأن “الهدف من الحرب هو استخدام أفغانستان لغسل الأموال من دافعي الضرائب في الولايات المتحدة وأوروبا عبر أفغانستان وإعادتها إلى أيدي النخبة المتحكمة، الهدف هو حرب لا نهاية لها، وليس حربًا ناجحة”، لم يكن يلقي مجرد جملة استفزازية عابرة، بل كان يضع وصفًا دقيقًا لبنية اقتصادية ـ سياسية بدأت تتشكل في الظل، لتصبح اليوم أكثر وضوحًا وقسوة. لقد تحولت الحرب من وسيلة تقليدية لحسم النزاعات الجيوسياسية، كما عرفها المنظرون الكلاسيكيون، إلى نموذج مالي متكامل، حيث لم تعد مجرد امتداد للسياسة بوسائل أخرى، بل أصبحت غاية في حد ذاتها. هذا النموذج يقوم على إعادة تدوير المال العام إلى جيوب النخب المتحكمة تحت غطاء سيادي وأخلاقي رفيع، مما يمثل تحولًا جذريًا في وظيفة الصراع. هذا التحول هو ما يستدعي تحليلًا عميقًا لتفكيك مفارقاته، وكشف آلياته التي تضمن استمرارية النزاع لا حسمه.
في النظم التقليدية، يُنظر إلى الإنفاق على الحرب كعبء مالي طارئ، ضرورة قاسية تفرضها ظروف استثنائية، مثل الكوارث الطبيعية أو الأزمات الاقتصادية. لكن داخل النسق الجديد الذي وصفه أسانج، تصبح الحرب نفسها مصدرًا للسيولة، أشبه بمشروع استثماري طويل الأجل لا يهدف إلى تحقيق نصر عسكري واضح، بل إلى ضمان استمرار التدفق المالي اللامتناهي. تبدأ هذه الدائرة الإنتاجية بتسويق الخطر، حيث تُستخدم أدوات الدعاية والإعلام لخلق حالة من القلق المستمر، ثم يتم خلق إجماع سياسي واسع يبرر الإنفاق، فإطلاق موجة إنفاق استثنائي لا تعرف حدودًا تحت مظلة “الأمن القومي”.
تقوم هذه الدائرة على أربعة محاور رئيسية تضمن استدامتها وتحويل الصراع إلى قطاع أعمال مربح، أولها، خلق حالة صراع مستمر دون سقف زمني واضح، حيث يتم إدارة الأزمة بدلاً من حلها. وثانيها، تعبئة التمويل العام، حيث تُسحب المليارات من ميزانيات الرعاية الاجتماعية والبنية التحتية المحلية لتُضخ في ميزانيات الدفاع. وثالثها، تدوير الأموال عبر منظومة معقدة من المقاولات العسكرية واللوجستية والأمنية، وهي شبكة واسعة من الشركات الخاصة التي تتلقى العقود الحكومية الضخمة. هذا التدوير المالي يتميز بظاهرة “الباب الدوار”، حيث ينتقل المسؤولون الحكوميون والعسكريون المتقاعدون إلى مناصب عليا في هذه الشركات، مما يضمن استمرار تدفق العقود دون مساءلة حقيقية. ورابعها، عودة التدفقات المالية الضخمة إلى النخب عبر أرباح شركات الوساطة والتسليح والبنية التحتية. وبهذا المعنى، تتحول الحرب إلى محرك مالي ضخم، لا عبئًا ماليًا، شرط أن تبقى بلا نهاية واضحة ولا مسار سياسي قابل للحسم، لأن الحسم يعني توقف هذا المحرك.
لقد كانت أفغانستان هي المختبر الأول والنموذج الأوضح لتطبيق هذه النظرية على أرض الواقع. على مدى عقدين من الزمان، صُرفت على الحملة عشرات المليارات سنويًا، ثم انسحبت القوات الأمريكية عمليًا دون تحقيق نتائج استراتيجية ملموسة. لم يتحقق نصر عسكري يذكر، ولم تقم دولة مستقرة قادرة على الاعتماد على الذات. لكن في المقابل، شهدت شركات الدفاع ارتفاعًا هائلًا في قيمتها السوقية، وسجلت شركات الخدمات اللوجستية أرباحًا قياسية، وتحركت مراكز القرار السياسي عبر اقتصاد حرب مستدام. الأهم من ذلك، أن الحرب انتهت رسميًا، لكن منظومة الإنفاق التي ولدتها لم تتوقف، بل أُعيد توجيهها ببراعة نحو ساحات أخرى، لتثبت أن الهدف لم يكن أفغانستان بحد ذاتها، بل استدامة آلية الإنفاق.
أما أوكرانيا، فلم تكن استثناءً، بل كانت امتدادًا طبيعيًا ومُحسّنًا للنموذج ذاته في نسخته الأوروبية. لقد أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية قدرة هذا النموذج على التكيف والانتشار السريع. التدفقات المالية الضخمة التي سُخرت لدعم أوكرانيا لم تذهب فقط للدفاع عن “الديمقراطية الأوروبية” كما يُسوّق إعلاميًا، وإنما أطلقت أكبر دورة إنفاق عسكري عالمي منذ غزو العراق. في مفارقة صارخة، نجد دولًا تعاني من التضخم والانكماش تضخ المليارات في التسليح، بينما تتحول شركات دفاعية تاريخية إلى “قمم سوقية” عملاقة. لقد تحولت البنية الاقتصادية للحرب إلى قطاع تشغيل اقتصادي كبير، حيث النتيجة الواضحة حتى الآن هي حرب دون أفق سياسي للحسم، وميزانيات عسكرية مفتوحة، وعقود تسليح ممتدة لسنوات قادمة. إنها حرب تُدار ماليًا قبل أن تُدار عسكريًا أو سياسيًا، حيث يتم تمديد خطوط الإمداد المالي لضمان استمرار الصراع.
وفي سياق البحث عن الساحات الجديدة لضمان استمرار هذا التدفق، تبرز فنزويلا كوجهة مرشحة بقوة للتصعيد. لماذا فنزويلا تحديدًا؟ لأنها تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وتمر بانهيار اقتصادي قابل للاستثمار السياسي، وتشهد احتكاكًا استراتيجيًا مباشرًا مع المصالح الأمريكية مقابل صعود النفوذ الصيني والروسي في ذات المساحة الجغرافية. ليست المسألة بالضرورة حربًا بالمعنى التقليدي، بل إعادة تدوير لسيناريو “الأزمة المفتوحة” عبر توترات حدودية وعقوبات وعسكرة للمشهد، ثم فتح بوابة التمويل المستمر. هذا السيناريو يضمن أن الصراع يظل “محددًا ماليًا” وليس مجرد حدث سياسي عابر، ويسمح بتطبيق “مبدأ مونرو” الاقتصادي الجديد، حيث تُدار الأزمات في الفناء الخلفي لضمان استمرار تدفق الموارد والأموال.
إن اللافت في هذا النموذج هو المفارقة بين الحرب الناجحة والحرب المربحة. الحرب الناجحة، وفق التصور الكلاسيكي، تنتهي عند نقطة ما بتحقيق الأهداف السياسية، أما الحرب المُربحة فتُترك دون حسم. والسبب بسيط ومباشر، نهاية الحرب تعني نهاية الإنفاق، وهذا ما لا يناسب الشركات العملاقة التي بنت توقعاتها على مبيعات سنوية ثابتة، وتجديد عقود توريد السلاح، وخدمات صيانة وذخائر وإمداد طويل الأجل. بل إن هذه الشركات تتطلع إلى مرحلة “إعادة الإعمار” اللاحقة كحلقة أخيرة ومربحة في سلسلة التوريد، حيث يتم إنفاق المزيد من الأموال العامة لإصلاح ما دمرته الحرب التي مولتها نفس الأموال.
هنا تتكشف المفارقة الأخلاقية والمالية والسياسية لهذا النموذج على ثلاثة مستويات. على المستوى الأخلاقي، تُسوّق الحرب باعتبارها دفاعًا عن الاستقرار والقيم، لكنها تخلق واقعًا أكثر عنفًا وتدميرًا وتفككًا للمجتمعات المستهدفة. على المستوى المالي، يتحول المواطن المُمول عبر الضرائب إلى ممول غير إرادي لمشروع لا تتحقق له عوائد مباشرة، بل يتم على حسابه الخاص تضخيم ثروات النخب. أما على مستوى النخب، فتتحول الأزمات الجيوسياسية إلى رافعة ربحية طويلة الأمد ومستدامة، مما يخلق حافزًا ماليًا قويًا لاستمرار التوتر بدلاً من إنهائه. إنها عملية تحويل للثروة من القاعدة إلى القمة، تتخفى وراء ستار الأمن القومي.
إن ما قاله أسانج لم يعد أطروحة نظرية هامشية، بل تحوّل إلى بنية اقتصادية قائمة بذاتها. لقد أصبحت الحرب “قطاع أعمال” تشغله الحكومات وتستثمره النخب وتدفع كلفته المجتمعات. وفي ظل هذا النموذج، لن تكون أفغانستان آخر الفصول، ولن تكون أوكرانيا نقطة النهاية. فما دام الصراع يولد سيولة مالية متجددة، ستظل الأزمات الجيوسياسية تُدار ولا تُحسم، وتُمدد ولا تُغلق. لقد تجاوزت الحرب كونها مجرد قرار سياسي لتصبح سلسلة توريد عالمية تعمل بمبدأ واحد لا يقبل الجدل، “صراع أطول من أجل تدفق مالي أطول”. هذا المبدأ هو مفتاح فهمنا للسياسة العالمية المعاصرة، حيث يُصبح استمرار النزاع هو الهدف الاستراتيجي الأسمى، وتُصبح تكلفة السلام هي الخسارة الاقتصادية الكبرى للنخب المستفيدة.