الوعي في مرمى النيران..تحليل أبعاد الفضيحة التقنية التي كشفت حرب التفتيت الممنهجة وعلاقتها بوحدة 8200

الحسين بنلعايل مدير موطني نيوز في أوروبا

الحسين بنلعايل – موطني نيوز 

شهد الفضاء الرقمي مؤخراً زلزالاً تقنياً لم يكن الهدف منه الكشف عن حقائق الأمة، ولكنه أدى، بغير قصد، إلى تعرية واحدة من أخطر العمليات الاستخباراتية الموجهة ضد الوعي الجمعي العربي والإسلامي. إن الحديث هنا يدور حول الفضيحة المزعومة التي تفجرت على منصة “X” (تويتر سابقاً)، حيث أتاح تحديث تقني، ولو لفترة وجيزة، إمكانية تحديد الموقع الجغرافي الحقيقي لمصادر الحسابات التي تقف وراء الحملات الممنهجة. لم يكن هذا التحديث مصمماً بالأساس لخدمة قضايا المنطقة، بل كان موجهاً لتحليل موجات الكراهية داخل الساحة السياسية الأمريكية، لكن نتائجه العرضية كانت بمثابة صاعق كشف عن خيوط شبكة معقدة من التضليل والفتنة. لقد أكدت هذه الواقعة، بالأرقام والبيانات التقنية، ما كان مجرد شكوك وهمسات حول وجود ذراع إلكتروني يعمل على مدار الساعة لتفتيت النسيج الاجتماعي والفكري للأمة.

كانت الصدمة الكبرى تكمن في الإحصائيات التي ظهرت، والتي أشارت إلى أن نسبة هائلة، تجاوزت التسعين بالمائة، من الحسابات التي تخصصت في الهجوم على الإسلام والعرب، وإثارة النعرات الطائفية والقومية، كانت تُدار من داخل الكيان الصهيوني. لم يكن هذا عملاً فردياً أو عشوائياً، بل ارتبط مباشرة بوحدة 8200، الذراع الإلكترونية المعروفة للمخابرات الصهيونية، والتي تُعد واحدة من أخطر الوحدات في مجال الحرب السيبرانية والاستخبارات الرقمية عالمياً. إن هذا الكشف يضعنا أمام حقيقة أننا لسنا في مواجهة خلافات طبيعية أو تباينات فكرية عفوية، بل نحن أمام مشروع متكامل، يهدف إلى إحداث حالة من الفوضى المعرفية والاجتماعية عبر استغلال أدوات العصر الرقمي.

لقد اعتمدت هذه العملية على استراتيجية التقمص والتخفي ببراعة فائقة. فالحسابات التي ظهر أنها تُدار من مصدر واحد، كانت تتخذ واجهات متعددة ومتباينة، تتراوح بين الهويات السنّية والشيعية، والخليجية والمصرية والمغاربية، بهدف وحيد هو إشعال الصراعات الداخلية وتعميق الشروخ المذهبية والقومية. إن حرب الوعي التي تشنها هذه الوحدة لا تستهدف الحدود الجغرافية، بل تستهدف العقل والقلب والهوية. إنها تعمل على زرع الكراهية المذهبية التي تفرق بين أبناء الدين الواحد، والعنصرية القومية التي تباعد بين الشعوب المتجاورة، والفتن التي تسقط الرموز وتشكك في الثوابت. وقد كانت دول المغرب العربي، وتحديداً الجزائر والمغرب، من أكثر الساحات استهدافاً، حيث عملت هذه الحسابات على بث العداء المصطنع بين الشعبين الشقيقين، في محاولة يائسة لضرب التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية.

لم يقتصر الاستهداف على الجانب السياسي والاجتماعي، بل امتد ليشمل الجانب العقدي والتاريخي. لقد كشفت الفضيحة أن موجات الإلحاد الموجه، والحملات التي تهاجم القرآن الكريم وتسخر من النبي وتطعن في الشريعة، كانت تُدار أيضاً من نفس المصدر الاستخباراتي. والأخطر من ذلك، هو الترويج لخطابات تفتيت الهوية الوطنية، مثل خرافة “إحنا فراعنة مش عرب” التي حاولت تقسيم الشعب المصري إلى “دم عربي” و “دم فرعوني”. إن هذه الروايات ليست مجرد نقاشات تاريخية، بل هي أدوات حرب نفسية مصممة لإحداث قطيعة بين المصريين وعقيدتهم وتاريخهم الإسلامي، وضرب الهوية الجامعة التي تشكل صمام الأمان للأمة. إن الهدف النهائي من هذه الحملات هو إقناع الشعوب بأن الكراهية بينها هي أمر طبيعي ومنبعث من داخلها، بينما الحقيقة التي كشفتها التقنية هي أن هذه الكراهية مصنّعة ومُصدّرة إلينا.

إن سرعة رد الفعل على هذا الكشف التقني كانت دليلاً إضافياً على حجم العملية. فبعد أقل من ساعة من ظهور النتائج، تم حذف مئات الآلاف من الحسابات دفعة واحدة، ثم تم تعطيل الميزة التقنية نفسها، في محاولة واضحة لطمس الأدلة وإخفاء آثار الجريمة الرقمية. هذا التفاعل السريع يؤكد أننا أمام عملية منظمة وممولة على أعلى المستويات، وليست مجرد نشاط فردي أو مجموعة من المتصيدين.

إن هذه الواقعة يجب أن تكون بمثابة جرس إنذار أيقظ الأمة على حقيقة الحرب الجديدة. لم يعد الصراع محصوراً في الميدان العسكري التقليدي، بل انتقل إلى ساحة الوعي، حيث يتم استهداف الذاكرة، والهوية، والقيم، والعلاقات الاجتماعية، والتماسك القومي والإسلامي. إنها حرب ناعمة، لكنها أشد فتكاً من الرصاص، لأنها تدمر الأمة من الداخل وتجعلها تهدم نفسها بنفسها. إن مواجهة هذا المشروع لا تكون بالردود العاطفية، بل ببناء وعي نقدي حصين، قادر على فرز المعلومات وتمييز الحقيقة من الزيف، وإعادة بناء الثقة بين أبناء الأمة، وتوجيه الطاقات نحو البناء بدلاً من الانغماس في صغائر الخلافات التي صُنعت لنا. إن الوعي هو خط الدفاع الأول والأخير في هذه المعركة المصيرية. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!