
محمد المختار محمد الحافظ حرمه – موطني نيوز
يُعدّ الزعيم أحمدو حرمة بابانا أحد أعمدة التاريخ الوطني الحديث، وأول من حمل قضية موريتانيا إلى المحافل الدولية بصوتٍ قوي ومسؤول. فقد كان أوّل ممثل للموريتانيين في البرلمان الفرنسي، ومن خلال هذا الموقع الاستثنائي، واجه بجرأة محاولات طمس هوية الشعب الموريتاني، ودافع عن حقوقه ومصالحه، وأعلن منذ البداية أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يُبنى إلا على أسس الهوية الحضارية والحرية والاستقلال والسيادة.

لم يكن أحمدو ولد حرمه زعيمًا عاديًا، بل كان حالة وطنية متفردة، امتلك رؤية واضحة لمشروع الدولة، قائمة على صون الهوية الثقافية والحضارية، والتمسّك بالقيم العربية والإسلامية والأفريقية المتجذّرة في المجتمع الموريتاني، فجسّد، من خلال مواقفه تلك، رفض التبعية، وفتح الباب أمام الوعي الوطني الحديث.

وبسبب هذه الرؤية المستنيرة سعت الإدارة الاستعمارية الفرنسية إلى تضييق الخناق عليه، فلجأت إلى محاكمته غيابيًا وحكمت عليه بالإعدام، في محاولة لإسكاته وإخماد تأثيره.

لكن حرمة اختار طريقًا آخر: طريق المنفى النضالي، فتحوّل إلى صوت لموريتانيا في العالم العربي والأفريقي ونسج علاقات واسعة مع رموز التحرّر في المنطقة، فكان على صلة وثيقة بـقادة الحركة الوطنية في مصر، إبان المدّ القومي العربي وصعود مشروع التحرّر ومع قيادات المقاومة المغربية الداعية إلى الاستقلال ورموز الثورة الجزائرية ومجاهديها، بالإضافة إلى شخصيات سياسية وثقافية فاعلة في إفريقيا.

وبهذه الشبكة الواسعة من العلاقات، وبحضوره المؤثر في لقاءاته ومراسلاته، أضفى بابانا صبغة دولية على النضال الموريتاني، ونقل قضية استقلال البلاد من نطاقها المحلي إلى محيطها الإقليمي والدولي. فجعل العالم العربي والإفريقي يهتم بموريتانيا التي لم تعد تلك المنطقة المعزولة، بل أدرك الجميع أن الشعب الموريتاني، كغيره، شعبٌ له حقه في الوجود والحرية.

ونحن، إذ نثبت هنا حقيقة أن أحمدو حرمة بابانا كان (نسيجًا وحده) في شجاعته وريادته وزخمه الدولي، فإننا نُشدد على أن الاعتراف بمكانته التاريخية لا يعني أبدًا إقصاء أيٍّ من الرواد الآخرين، فالتاريخ الوطني ثروة مشتركة، أسهم فيها العديد من أبناء الوطن كل من موقعه، ولكلٍّ منهم دوره المشهود وعطاؤه المقدر.
ومع ذلك يبقى أحمدو ولد حرمة منارة شامخة في مسار التحرّر الوطني، بما امتلكه من رؤية مبكرة، وحضور دولي، وتضحيات شخصية جعلت منه أحد أبرز رموز البلاد.

وفي هذا المضمار، فإننا نؤكد أنه آن الأوان لأن تتعامل الدولة الموريتانية مع هذا الإرث النضالي المشرف بما يستحقه من تبجيل، وذلك من خلال:
• توثيق مسيرته في مناهج التعليم؛
• إطلاق اسمه على مؤسسات وطنية وفضاءات عامة؛
• جمع تراثه السياسي والفكري وتقديمه للأجيال؛
• وإعادة الاعتبار له باعتباره أحد صُنّاع الوعي الوطني وممهدًا لطريق الاستقلال.
وخلاصة القول إنّ الحديث عن الزعيم أحمدو حرمة بابانا هو حديث عن أحد أبرز رموزنا الوطنية، وعن رجلٍ سبق زمانه، وربط قضية وطنه بمحيطها العربي والإفريقي في وقتٍ كانت موريتانيا فيه تبحث عن صوت، وإن إنصافه اليوم إنصافٌ للذاكرة الوطنية، ولتاريخٍ نعتزّ به ونورثه للأجيال الصاعدة.