
حسَن الرّحيبي – موطني نيوز
بدَأت حَافلاَت السّاتيام تجوب طرق المغرب منذ سنة 1919..كانت الطريق الرّابطة بين الدّار البيضَاء آسفي وأݣادير لم تعبّد بعد حتى سنة 1918 ، وكان آباؤنا شباباً مراهقين يركضُون من اثنين الغربية حتى برّاكة التّيسي على بعد 12 كلم كي يروا الحَافلات والشّاحنات وهي تمرّ بطيئةً وسط الغبار والحفر والأحجار، نحو آسفي والصّويرة وأݣادير ..وكل مناطق الجنوب، مستغربين لهذه الآلات العجيبة التي دخلت المغرب، مع الاستعمار وغيّرت عادات الناس وتصَوّرهم للحياة والتّواصُل ، وفي مجالات أخرى كالحرث والحصَاد والدراس ..أخذ النصَارىٰ يستعملون الجرّارات والحصّادات والسّيارات ..وأصبحوا يعرفون المواعد وأوقات العمل ونهايتها بواسطة معالم جديدة لم يتعوّدوا عليها من قبل :
موعد الفجر كوبّاطا الخضراء القادمة من آسفي نحو الدار البيضَاء ، لها محطة رئيسية باثنين الغربية بقهوة الجيلالي أو قهوة ولد موسى ..يعدون القهوة والحريرة للمنتظرين العازمين على السّفر ، أو فقط حاملي التّصَيْفيطات من شكاوي اللّبن محشوّة بنخضَات السّمن بلون أزهار الجّمرة والكركازة الصّفراء ورائحتها النّفّاذة ، وطيور الدجاج والبيبي مݣرونة ، هَدَايا للأبناء والأهل المنتظرين بݣاراج علّال ، الكل ينتظر برودو فينشب الصّخَب واللّغط : وابرودُو ! وابرودُو ..
قبل برودو وسي احمد كان يسوقها نصرَاني بأسنان صَفراء بارزة كأسنان غول قادم من عالم مجهول ، يسمونه مهَيْضرَة ..أطلق اسمه على مهيضرَة بدوار الصّديݣات ..كان شخصاً متميزاً بقفشاته وحراكتها البهلوَانية ، وبشقف تاع لامينيو متقدم سبسي طويل لتدخين التّدريحة ..لا أحد يعرف مصدر ذلك الشّقف الذي كان الجميع يتمنى إلصَاقه بسبسيه عوض شقف الطين العادي . كما لا أحد اليوم يعرف مصيره بعد موت صَاحبه منذ 50 عاماً خلت ..
حَافلات كثيرة أخرىٰ ربطنا بها علاقات وجودية تأتينا بالكومير من الجّديدة وأخبار عيد الفطر عندما تتعذر علينا رؤية الشهر بالعين المجردة ، لسيادة الغمام الممطر الغزير خلال تلك السنوات الخصبة البعيدة ..يسمى ميݣيل ..يأتي بعد الظهر ..كارّ اولاد آسفي على الساعة التاسعة صَباحاً يأتي بالنعناع لمعاشي الذي تعبق رائحته الزكية عن بعد ..كارّ بوشريط يسوقه رجل مسن قاس على أبنائه وعلى الركاب أيضاً يأتي من الجديدة مع طلوع شمس الصّباح ..كارّ النحيلي يأتي من لاربعة مول البرݣي قبل الفجر يحمل المتسوقين التجار نحو الجديدة ..في أواخر الستينات ظهر كارّ الشركة ، البعض يطلق عليه الشّاروكة ..لكل حافلة عاداتها وزبناؤها وطقوسها الخاصّة ..طالب معاشوّات يعرفون بدقة تفاصيل سلوك مستخدميها وتصَرفاتهم وانضباطهم لا يبدّلون تبديلا :
بعَيلاّ وبودارمة وكريّم ودحان وفاتح ولحمام وولد الشتوكية ..نفس الحافلات ونفس الوجوه أصبحت من ضمن معتقدات الناس وطقوسهم اليومية ، وجزء من ثقافتهم وتفكيرهم وانشغالاتهم ..أهل خميس الزّمامرة وثلاث سيدي بنور يتحدثون عن كيران عريبات ورزق عبد الرّحمان ، وموسى بلفَقير والسلوݣي ولاساطاس وآيت مزال وكيران لغزاوي والبرادلي ..لكل قصّته مع حافلة من هذه الحافلات التي أصبح يضرب بها المثل :
مالك عدّك كيران لغزاوي ؟
حافلات الشقوري والطّاهر العبدي وعبسلام الصّديݣي ..والصّباغ بالوليدية يسوقه إيهودي ..عُرف أصحاب الحافلات بتعاطفهم مع الناس لكسب الزبناء ، كما عرفوا بانضباطهم وحكَمهم المأثورة ..متسوّلون أصبحوا يعشقون تلك الحَافلات إلى درَجة العبادة :
امحمد ولد غُدة والشتوكية وبوجَا تاعت لخميس وعبد رحمان الهَاتر وجردانة ..كلهم قضَوا نحبهم بعد أن أصبحوا جزء من المكان يؤثّثون مشاهده اليومية بإخلاص ووفاء روحاني مترسّخ في الأذهان والعقول.. منذ طلوع الفجر حتى المساء ..كما أصبحوا اليوم مجرّد ذكريات من المَاضي البعيد يكاد يطويهم النّسيان ..
رحم اللّه الجَميع