المسجد الكبير في بروكسيل..حينما يصبح المال قبل الدين وتُدار حرب المواقع من أقبية لييج

الحسين بنلعايل مدير مكتب موطني نيوز في أوروبا

الحسين بنلعايل – موطني نيوز 

إنَّ ما يجري خلف الكواليس في بلجيكا اليوم، بعيداً عن ضجيج المنابر الرسمية والخطابات المعتادة، هو فصل جديد ومُخزٍ في تاريخ الجالية المسلمة، فصلٌ عنوانه الأبرز هو الاستيلاء على النفوذ وتقديم المصالح الشخصية والمالية على كل اعتبار ديني أو مجتمعي. إنَّ قضية السيطرة على المسجد الكبير في بروكسيل، هذا الصرح الذي من المفترض أن يكون رمزاً للوحدة والتماسك، قد تحوّلت إلى ساحة معركة قذرة، تُدار خيوطها ببراعة مشبوهة من داخل أروقة بعض المساجد في مدينة لييج الهادئة.

لقد باتت لييج، على غير المتوقع، هي غرفة العمليات السرية التي تُطبخ فيها المؤامرات. ففي تلك الزوايا والمساجد، يجتمع اليوم عدد من كبار الأئمة والشخصيات الدينية، في مشهدٍ يثير الريبة والاستفهام. هؤلاء الذين كانت الخصومة تفرقهم، والآراء المتباينة تباعد بينهم، جمعتهم اليوم مصلحة واحدة لا علاقة لها بخدمة الدين أو شؤون الجالية، إنها المصلحة المادية البحتة. هذا التكتل الغريب، الذي يضم أطرافاً متنافرة تاريخياً، لا يمكن تفسيره إلا بكونه تحالفاً هشاً مبنياً على قاعدة “المال قبل الدين”، حيث تُنسى الخلافات العقائدية والفقهية أمام بريق الإغراءات المالية ومغنم السيطرة على مقدرات المسجد الكبير وموارده.

إنَّ هذه التحركات المشبوهة لا تُعبّر أبداً عن طموح مشروع لخدمة مسلمي بلجيكا، بل هي انعكاس صارخ لصراع نفوذ مرير بين جهات لا تكتفي بالتمويل الخارجي فحسب، بل تسعى لفرض أجندتها الخاصة على المشهد الديني البلجيكي. إنها حرب مواقع بامتياز، لا يهم فيها من يربح أو يخسر من أبناء الجالية، بقدر ما يهم من يضع يده على مفاتيح القرار والتمويل. وفي خضم هذا الصراع المحموم، تُهمّش القضايا الحقيقية التي تؤرق الجالية، من تحديات اجتماعية معقدة، إلى ضرورة تعزيز التماسك الديني في وجه التطرف والانغلاق. لقد تحوّل الاهتمام من بناء مجتمع مسلم فاعل ومندمج إلى مجرد صراع على قطعة كعكعة، مما يترك فراغاً هائلاً تستغله قوى الظلام والتشتت.

لكن الصورة لا تكتمل دون وضع اليد على النقطة الأكثر حساسية وإثارة للقلق الدور الغامض للأمن الفيدرالي البلجيكي. فمن غير المعقول أن تتم هذه الاجتماعات والتحركات في لييج، والتي تُعدّ مراكز ثقل ديني، بعيداً عن أعين الأجهزة الأمنية. بل إن السؤال الذي يفرض نفسه بحدة هو : هل يقتصر دور الأمن الفيدرالي البلجيكي على مجرد مراقبة هذه المساجد، أم أن هناك تكتيكاً أعمق يتم تنفيذه؟

إنَّ ما يزيد الشكوك هو السماح بالتنقل وإلقاء الخطب الدينية لشخصيات كانت في وقت سابق قد مُنعت من ذلك بقرارات قضائية صارمة. كيف تم رفع الحظر عن هؤلاء فجأة؟ هل هي مجرد صدفة عابرة، أم أنها تكتيك مدروس من الدولة البلجيكية لإعادة خلط الأوراق، وربما لتوظيف هذه الأطراف المتصارعة لخدمة أجندتها الخاصة في “إدارة” الشأن الديني؟ إنَّ هذا التساؤل ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة لكشف المستور. فهل تحوّل بعض الأئمة، الذين يُفترض بهم أن يكونوا قادة روحيين، إلى مجرد أدوات طيعة في يد الأمن الفيدرالي، يُحرّكونهم كيفما شاءوا لضرب بعضهم البعض، أو لتمكين طرف على حساب آخر؟

وكما يقال دائما : الفضية فيها “إنّ”، لا يمكن تجاهلها. فإعادة تدوير شخصيات دينية مثيرة للجدل، وفتح الأبواب أمامها للتحرك والتأثير، في الوقت الذي تشتد فيه حرب المواقع على المسجد الكبير، لا يمكن أن يكون عملاً عشوائياً. إنه يشي بترتيبات خفية، وبصفقات تُعقد في الظلام، يكون ثمنها هو استقلالية القرار الديني للجالية المسلمة في بلجيكا. إنَّ الدولة البلجيكية، عبر أجهزتها الأمنية، قد تكون وجدت في هذا الصراع الداخلي فرصة ذهبية للتحكم في مخرجاته، وضمان أن تكون القيادة الدينية الجديدة للمسجد الكبير هي قيادة “مُرضية” لها، حتى لو كانت على حساب المصداقية الدينية والنزاهة الأخلاقية.

إنَّ هذا المشهد برمته هو خيانة مزدوجة، خيانة من الأئمة الذين باعوا قضيتهم الروحية والاجتماعية من أجل حفنة من المال والنفوذ والتقرب من القناصلة، وخيانة من الأطراف الخارجية التي تستغل هذا الضعف لتمويل صراعاتها على الأراضي البلجيكية خاصة إيران والسعودية. إنَّ مسلمي بلجيكا يستحقون قيادة دينية تضع التماسك والاندماج والتربية الروحية في صدارة أولوياتها، لا قيادة تتخذ من المساجد منصات لحروب النفوذ، وتُحوّل الدين إلى مجرد غطاء لمصالح دنيوية زائلة. إنَّ الوقت قد حان لرفع الصوت عالياً، وفضح هذه التحركات، قبل أن يُصبح المسجد الكبير في بروكسيل مجرد رمز فارغ، يُدار بأيادٍ خفية لا ترى في الدين إلا وسيلة للسيطرة والمال. إنَّ الحقيقة المرة هي أنَّ المعركة الحقيقية ليست على المسجد، بل هي معركة على الضمير، ويبدو أن الكثيرين قد خسروا هذه المعركة بالفعل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!