
المصطفى الجوي – موطني نيوز
تُعدّ صلاة الجمعة في الإسلام من أعظم الشعائر، ومناسبةً روحانيةً جامعةً للمسلمين، حيث تتجلى فيها أسمى معاني التكافل والوحدة. بيد أن هذه الساحة المباركة، وفي محيط بيوت الله، باتت مسرحاً لظاهرةٍ مؤرقةٍ تتفاقمُ جمعةً بعد جمعة، ظاهرة “التسول الاحترافي” التي تتخذ من أبواب المساجد، خاصةً في هذا اليوم الفضيل، مرتعاً خصباً لاستنزاف العطاء وتشويه صورة المحتاج الحقيقي. إنها ليست مجرد مسألة اجتماعية عابرة، بل هي آفةٌ تهددُ قدسية المكان، وتُحوّلُ فعل الخير إلى استثمارٍ سهلٍ ومُربحٍ لمن لا يستحق.
إن التزايد الملحوظ في أعداد المتسولين خارج المساجد، كما هو معلوم، لا ينبع من فراغ، بل يجدُ جذوره في استجابة المُصلي نفسه. فالمتسولون ما كانوا ليتكاثروا لولا وجودُ من يمدُ إليهم يد العون دون تمحيص أو تدقيق. إننا، بحسن نيةٍ مفرطة، نُساهمُ في ترسيخ هذه الظاهرة وتحويلها إلى مهنةٍ جاذبة. فكلُ درهمٍ يُقدَّمُ دون وعيٍ هو بمثابة وقودٍ يُشعلُ نار التسول، ويُساعدُ المتسول على الاستمرار في هذا الطريق الذي يُغنيه عن العمل الشريف، ويُعطِّلُ مساعي الجهات التي تعمل على مكافحة هذه الآفة.
وتكمن المفارقة العجيبة، التي تدعو إلى التأمل العميق، في التناقض الصارخ بين حال المُتعبِّد وحال المُستجدي. فالمُصلّي يأتي إلى بيت الله مُبكراً، يتوضأُ ويُصلّي ويستمعُ إلى الخطبة، مُتجرداً من شواغل الدنيا، مُتطلعاً إلى الأجر والثواب. وبعد أن يُتمَّ عبادته ويخرج مُحمَّلاً بالسكينة والحسنات، يجدُ في طريقه من لم يُصلِّ الجمعة أصلاً، وربما لم يتطهر، جالساً عند الباب يتسول. إن تقديم العطاء لهذا الشخص في هذه اللحظة يُعدُّ قلباً للموازين، وتكريماً لمن اتخذ من التظاهر بالفاقة وسيلةً، بينما يتناسى المُصلي أولئك الذين وصفهم القرآن الكريم بقوله: “يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ”. فالمحتاج الحقيقي هو من يتعفف ويستحيي، لا من يتخذُ من يوم الجمعة موسماً للاستجداء.
إن الرغبة في فعل الخير وتقديم الصدقة هي دافعٌ نبيلٌ لا ينبغي إخماده، ولكن يجب توجيهه إلى مساره الصحيح. فبدلاً من إعطاء المتسولين العابرين، هناك قنواتٌ شرعيةٌ ومؤسساتٌ اجتماعيةٌ تضمنُ وصول المساعدة إلى مستحقيها بعد دراسة حالاتهم. فالدولة، توفرُ برامجَ للحماية الاجتماعية كبرنامج “تكافل وكرامة”، وهناك جمعياتٌ أهليةٌ موثوقةٌ تقومُ بمسحٍ دقيقٍ للحالات. إن دعم هذه المؤسسات هو الاستثمار الحقيقي في التكافل الاجتماعي، وهو ما يُنهي حلقة التسول المُفرغة، ويُعيدُ الكرامة للمحتاجين المتعففين.
إن خطورة التسول لا تقف عند حدود استغلال العاطفة الدينية، بل تتعداها لتصبح بوابةً للجريمة المنظمة. فالمتسولون، في كثيرٍ من الأحيان، يتحولون إلى لصوصٍ يتربصون بالمصلين، مستغلين انشغالهم بالصلاة. وقد كشفت الدراسات عن تحول هذه الظاهرة إلى سرقةٍ تستهدفُ الأحذية ذات القيمة العالية والماركات الفاخرة، مما يدلُ على أن الأمر لم يعد يتعلق بـ “فقيرٍ لا يجدُ ما يأكل”، بل بـ “لصٍ مُحترفٍ يبحثُ عن الغنيمة السهلة”. إن هذا التحول يُوجبُ على الجميع، من إدارة المسجد إلى المصلين، اتخاذ موقفٍ حازمٍ بالامتناع التام عن العطاء لهؤلاء، لوقف هذا النزيف الأخلاقي والأمني.
إن مكافحة ظاهرة التسول أمام المساجد يوم الجمعة وفي باقي الأيام والمناسبات تبدأُ بقرارٍ فرديٍ واعٍ. يجب أن نُدرك أن العطاء في غير موضعه ليس فضيلةً، بل هو إفسادٌ للمجتمع. فلتكن صلاتنا خالصةً، ولتكن صدقاتنا مُوجَّهةً عبر قنواتها الصحيحة، لكي نُعيدَ للمسجد قُدسيته، ونُطهِّرَ محيطه من هذه الآفة التي تُشوّهُ وجه التكافل الإسلامي النبيل. إن الامتناع عن إعطاء المتسولين هو الخطوة الأولى والأكثر فاعليةً لإنهاء هذه الظاهرة، وإجبار هؤلاء على البحث عن مصدر رزقٍ شريفٍ أو اللجوء إلى المؤسسات التي تكفلُ لهم حقهم بكرامة.