
الحسين بنلعايل – موطني نيوز
في زمن العبث هذا، حيث تتداخل المفاهيم وتنقلب الموازين، لم يعد الصراع يدور حول الأفكار أو القيم، بل تحوّل إلى معارك ضاجة بأصوات تعلو ولا تُسمع، تتصاعد في فراغ لا يعرف إلا صداها. لقد أصبحنا نعيش في زوابع من التهريج، حيث يغيب العقلاء ويعلو النهيق، ويُكافأ من لا يحمل سوى صوته العالي، فيما يُنبذ أهل الكفاءة والنزاهة في زوايا النسيان.
يقولون إن التسابق مع الحمير خسارة في كل الأحوال، فإما أن تسبقهم فتصبح مثلهم، أو يتقدموك عليك فتصبح الحمار الخاسر. وهذه الحكمة لم تعد مجرد قول يُتَداول، بل صارت مرآة لواقع نعيشه بكل مرارته. لقد تحولت الساحة إلى سيرك كبير، يتبارى فيه المهرجون، وكلما ارتفع نهيق أحدهم، زادت فرصه في الصعود والظفر بالمكانة. بينما يقف أصحاب العقول على الهامش، محاصرين بصمتهم، مكبلين بشرفهم، وكأن الكفاءة أصبحت جريمة، والنزاهة تهمة.
في هذا الزمن المقلوب، لم يعد الفساد يحتاج إلى ستار يخفيه، بل أصبح شجاعة مزعومة يتباهى بها أصحابه، بينما تحول الصدق إلى جريمة يُعاقب عليها. لقد تجرأ البعض على تزيين القبيح، وتسويق الفارغ، حتى صار التملق فنًا، والفراغ فضيلة. وترى التافهين يتصدرون المشهد، يضعون أيديهم على مقدرات الأمور، ويُقدمون على أنهم القدوة، بينما يُدفن أهل الرأي والحكمة تحت ركام من التهم الواهية والإقصاء المتعمد.
والنتيجة؟ ساحة عامة خاوية إلا من الضجيج، ومسارح يسيطر عليها المهرجون، وأصوات الحق تغيب في زحام الباطل. لقد أصبحنا نعيش في دوامة من العبث، حيث يُكافأ من لا يستحق، ويُعاقب من لا ذنب له. وهذا ليس مجرد ظلم للأفراد، بل هو خيانة للجميع، فكلما صعد التافهون، تراجعت القيم، وانهارت المعايير، وغرق الجميع في مستنقع من الخيبة والضياع.
ولكن، هل نبقى صامتين؟ الصمت هنا ليس حيادًا، بل هو تواطؤ. والسكوت على هذا الجنون يجعلك شريكًا فيه. إن الخروج من هذا المستنقع يبدأ بإعادة الاعتبار للكلمة الصادقة، للفكر الرصين، للموقف النبيل. لا يكفي أن ننتقد، بل يجب أن نرفض أن نكون جزءًا من هذه المسرحية. علينا أن نعيد بناء المعايير، أن نكرم الكفاءة، أن نرفع من شأن النزاهة، وأن نرفض أن يتحول عالمنا إلى حلبة للحمير.
ففي النهاية، التسابق في مستنقع الحمير لا يولد سوى الخيبة، والخروج منه ليس خيارًا، بل ضرورة للبقاء. فلنرفع أصواتنا، ليس بالنهيق، بل بالعقل والكلمة الحق، لأن الزمن العبثي لا ينتصر إلا عندما نسمح له بأن يسرق أحلامنا وقيمنا.