
المصطفى الجوي – موطني نيوز
إن الإخفاق الممنهج في صياغة الفرد المفكر، هو الهاوية التي تتردى فيها الأمم لتجد نفسها محاطة بـ “جمهور” صاخب، بدلًا من “شعب” واعٍ ومسؤول. هذه ليست مجرد مفارقة لغوية، بل هي تجسيد لأزمة وجودية عميقة تضرب في صميم البنية الاجتماعية والسياسية. فالفرد الذي يمتلك أدوات التفكير النقدي ليس نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة متكاملة لمنظومة تربوية وثقافية وسياسية واقتصادية متضافرة، تشجع على السؤال، وتُعلي من قيمة النقد، وتفتح مساحات آمنة للاختلاف. وحيثما تغيب هذه المنظومة المتماسكة، يضمحل معها الفرد المستقل، ليحل محله كيان جماهيري يتصرف بعقلية القطيع، مستسلمًا لسلطة الانفعال الجماعي.
إن هذا التحول ليس بريئًا، بل هو نتيجة مباشرة لتفكيك متعمد أو إهمال مزمن لأركان الدولة الحديثة. فالمنظومة التعليمية في المغرب، التي كان من المفترض أن تكون مصنعًا للعقول الناقدة، تحولت إلى مجرد آلة لتلقين المعارف السطحية، تخشى السؤال بقدر ما تخشى الإجابة الصادقة. أما المنظومة الثقافية، فقد تراجعت أمام موجات الاستهلاك السريع والمحتوى الترفيهي الهابط على وسائل التواصل الإجتماعي وحتى في الاعلام العمومي، الذي يغذي العاطفة ويخدر العقل. وفي ظل هذا التآكل، يصبح الفرد هشًا، سهل الانقياد، يفتقر إلى البوصلة الداخلية التي توجهه نحو المصلحة العامة، ليصبح مجرد رقم في معادلة الجمهور.
هذا الجمهور، وإن لم يكن سلبيًا بالضرورة في كل تجلياته، إلا أنه يتسم بالتحرك ككتلة واحدة، تسيّرها الشعارات الرنانة، وتستفزها العاطفة الجياشة، ويغلب عليها ضجيج الانفعال وقد لاحظنا هذا في مباريات كرة القدم وحتى في احتجاجات جيل Z الأخيرة وقد سبقتهم إحتجاجات “أولاد زروال”. إنها ثقافة “التطبيل والتهليل” التي تتغذى على غياب مساحات الحوار العقلاني والتبادل الفكري الرصين. ففي كل حادثة أو أزمة، نجد الساحة العامة تنقسم إلى معسكرين متناحرين، مؤيد ومعارض، دون أن تتبقى فسحة لرأي وسطي، أو تحليل عقلاني متجرد يسعى إلى فهم الأسباب الجذرية والحلول المستدامة. هذا الاستقطاب الحاد هو العرض الأبرز لمرض غياب الوعي الجماعي، وهو ما يجعل النقاش العام أشبه بمباراة كرة القدم يغيب عنها التحليل ويحضر السب و الشتم والعنف، حيث الهدف هو الانتصار بأي ثمن، لا الوصول إلى الحقيقة أو تحقيق المصلحة الوطنية العليا.
إن بناء “الشعب” يتطلب وعيًا جماعيًا بالحقوق والواجبات، وإدراكًا عميقًا للمصلحة المشتركة التي تتجاوز المصالح الفردية والآنية. هذا الوعي هو الحصن المنيع الذي يحمي الدولة من الانزلاق إلى فوضى الانفعال. وعندما يغيب هذا الوعي، يتحول المجتمع إلى “جمهور” بعقلية “المدرج” (التيران)، حيث الولاء الأعمى هو العملة السائدة، والانتماء العاطفي يطغى على التفكير المنطقي تماما كما يقع في الحملات الانتخابية القدرة التي تعتمد على المال لاستمالة الناخبين. وفي هذا السياق، تصبح القضايا المصيرية مجرد مواد للاستهلاك الإعلامي، يتم تداولها بعيدًا عن أي عمق تحليلي أو مسؤولية تاريخية. إننا نشهد تحولًا خطيرًا في المغرب من مجتمع المواطنين إلى مجتمع المتفرجين فالكل أصبح سلبي، الذين يكتفون بالصراخ والتعبير عن الغضب أو الفرح اللحظي، دون أن يمتلكوا القدرة على الفعل السياسي المؤثر والمستدام.
حيث يكمن الخطر الأكبر في أن هذا الجمهور الغفير يصبح مادة خام سهلة التشكيل في أيدي النخب السياسية والفنية والإعلامية وحتى “الإلترات”. فالسياسي أو الزعيم، بل وحتى الفنان المؤثر، يجد في هذا الجمهور المضغوط عاطفيًا أداة طيعة يمكن توجيهها بكلمة أو إشارة. يكفي أن يلوح أحدهم بشعار عاطفي “في بلادي ظلموني” أو يتبنى قضية شعبوية “غزة”، ليحشد هذا الجمهور ويسخره بالكامل لخدمة أجندته الخاصة. إنها عملية استغلال ممنهجة للعاطفة على حساب العقل، تحول المواطن من شريك في القرار إلى مجرد وقود للحملات. وهنا تكمن المفارقة المأساوية، فالنخبة التي كان من المفترض أن تقود عملية التنوير والتوعية، تجد في استمرار حالة الجهل والتبعية العاطفية ضمانًا لاستمرار سيطرتها وبسط نفوذها وبالطبع كل هذا لحماية مصالحها. إنهم يدركون جيدًا أن الجمهور الذي يصفق اليوم، يمكن توجيهه ليسب غدًا، طالما أن العاطفة هي المحرك الأوحد، وأن العقل غائب عن المشهد.
إن هذا التحول من “الشعب” إلى “الجمهور” يمثل تدهورًا خطيرًا في جودة الحياة السياسية والاجتماعية في المغرب. فبدلًا من أن يكون الرأي العام قوة ضاغطة ومحاسبة تستند إلى المنطق والمعرفة، يصبح مجرد صدى للأصوات الأعلى والأكثر إثارة للانفعال. وهذا يفسر لماذا تبدو غالبية المشاكل المستعصية في بلادنا وكأنها تكمن في “الإدارة” لا في “الطبيعة” أو “العيوب” الذاتية. إن العيب ليس في نقص الموارد أو القدرات، بل في سوء إدارة هذه الموارد والقدرات، وفي غياب الإرادة السياسية الحقيقية التي تستمد شرعيتها من وعي شعبي حقيقي، لا من تصفيق جماهيري زائف. إن الإدارة الفاشلة هي التي تستثمر في الجهل وتراهن على العاطفة، لأنها تدرك أن الشعب الواعي سيحاسبها على التقصير، بينما الجمهور المنفعل يمكن إلهاؤه بمسرحية عاطفية أو معركة وهمية وقد تكفي فضيحة إعتقال “نعيمة البدوية” بالغرض، لتجد التافهين غارقين في التفاهة وخلفهم قطيع من المغيبين يراقبهم.
إن الطريق إلى استعادة الوعي يبدأ بإعادة بناء المنظومة التربوية والثقافية، وتحصين الفرد ضد سيل الانفعالات الجارف والاستثمار في جيل الغد. يجب أن ندرك أن التنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بمؤشرات النمو الاقتصادي، بل بقدرة المجتمع على إنتاج أفراد قادرين على التفكير المستقل، والمشاركة الفعالة، والمحاسبة الرشيدة والتمييز بين من يريد الخير لهذه البلاد ومن يبحث عن تقاعد مريح من البرلمان على حساب دافعي الضرائب رغم صمته طيلة خمس سنوات. إنها معركة استرداد العقل من قبضة العاطفة، وتحويل الجمهور من متفرج إلى صانع قرار. هذه هي المعركة الحقيقية التي يجب أن نخوضها بوعي وإصرار، لأن مصير الدولة المغربية يتوقف على قدرتنا على تخريج “شعب” يفكر، لا “جمهور” يصفق ويصفر. إن الرهان على المستقبل يقتضي منا أن نرفع شعار “التربية والتعليم أولًا”، ليس كشعار أجوف، بل كبرنامج عمل يهدف إلى تخريج جيل لا يكتفي بالاستهلاك، بل يشارك في البناء، جيل يدرك أن الحقوق تقابلها واجبات، وأن المصلحة المشتركة هي القيمة العليا التي يجب أن تسود على ضجيج المصالح الفئوية والولاءات الحزبية والعاطفية الزائفة. إن استعادة مكانة العقل في الحياة العامة هي البداية الحقيقية لأي إصلاح سياسي واجتماعي مستدام. وإلا فإن المغرب سيضل يسير بسرعتين، سرعة المشاريع الكبرى والبنية التحتية، وسرعة الجهل و التخلف.