
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في زمنٍ تتشابك فيه خيوط الهوية والنضال، يبرز اسم سيون أسيدون، المولود من رحم عائلة يهودية مغربية، لكنه اختار لنفسه تعريفاً أعمق وأشمل وهو “مواطن مغربي أمازيغي عربي”. لم تكن هويته يوماً قيداً، بل كانت منطلقاً لرحلة فكرية وسياسية بدأت بدراسة الرياضيات، ثم اتجهت به إلى باريس لمتابعة تعليمه العالي، وهناك، على ضفاف السين، بدأ فصله الأول كناشط مناهض للإمبريالية، مدافعاً عن قضايا الشعوب المستضعفة، من فيتنام إلى فلسطين، التي ظلت بوصلته الأبدية.
عاد أسيدون إلى المغرب عام 1968، ليعمل أستاذاً للرياضيات، لكن شغفه بقضايا العدالة لم يهدأ. كان ملتزماً بقضايا الشعوب، فانضم إلى التنظيمات الماركسية السرية، ليجد نفسه في قلب “سنوات الرصاص” المظلمة. في فبراير 1972، وبينما كان عائداً إلى منزله في الدار البيضاء، اعتقل في حادثة غيّبت أخباره عن عائلته، واقتيد إلى مكان سري، حيث تعرض لتعذيب ممنهج، كان الهدف منه انتزاع الاعترافات. لم يترك التعذيب أسيدون دون ثمن، فقد خلف آثاراً جسدية دائمة، منها فقدان الإحساس في كتفه ويده.
في غشت 1973، وقف أسيدون أمام المحكمة مع 48 متهماً آخر، ليُدان بتهمة المساس بأمن الدولة، ويصدر بحقه حكم قاسٍ بالسجن لمدة 15 سنة نافذة. قضى سنواته في السجن المركزي بالقنيطرة، ولم ييأس من الحرية. في أكتوبر 1979، حاول الهرب من مستشفى ابن سينا بالرباط، متدلياً بحبل من الطابق الخامس، لكن محاولته باءت بالفشل، ليعاد اعتقاله بعد ثلاثة أيام، ويُحكم عليه بثلاث سنوات إضافية. لم تكن نهاية المحاولة الفاشلة سوى بداية لجولة جديدة من التعذيب، أدت إلى كسر عظام أصابعه وتمزق طبلة أذنه. أخيراً، أُطلق سراحه عام 1984، بعد أكثر من عقد من الاعتقال السياسي، لكنه ظل مناضلاً لا يعرف الكلل.
لم يتوقف نضال أسيدون عند حدود السياسة، ففي عام 2005، ساهم في تأسيس “ترانسبرانسي المغرب” لمكافحة الفساد، لكن قضيته الشاغلة ظلت الدفاع عن القضية الفلسطينية. كان مناهضاً جذرياً للصهيونية، وأصبح منسقاً لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) في المغرب، منتقداً بشدة قرار التطبيع مع إسرائيل، واصفاً إياه بـ “الطريق المسدود”. ناضل بشراسة ضد الإبادة الجماعية وجرائم الحرب التي يرتكبها الكيان الصهيوني، حتى اللحظات الأخيرة من حياته.
في عام 2025، هزّ الوسط الحقوقي حادث غامض. انقطع اتصال أسيدون بأصدقائه المقربين ليومين، مما دفعهم للتوجه إلى منزله مع السلطات. اضطروا لكسر الباب ليجدوه فاقداً للوعي على كرسي، وعلى جسده إصابات غير طبيعية في الرأس والكتف والوجه. كشفت الفحوصات عن نزيف دماغي ورئوي استدعى جراحة عاجلة وعناية مركزة. انتشرت رواية غير رسمية تشير إلى سقوطه من شجرة كان يقطعها، لكن رفاقه في “الجبهة المغربية المناهضة للتطبيع” شككوا في الرواية، متسائلين عن كيفية سقوطه وإغلاق الباب من الداخل. أشار بعض النشطاء إلى احتمال تعرضه لاعتداء مدبر من محترفين، انتقاماً لنشاطه المناهض للصهيونية. طالبت “ترانسبرانسي المغرب” والجهات الحقوقية بفتح تحقيق معمق لتحديد ملابسات الحادث المؤلم.
وفي السابع من نوفمبر 2025، رحل سيون أسيدون، بعد تدهور حاد في حالته الصحية، وعودة العدوى الرئوية بشراسة. وفاته تُعيد الحاجة الملحة لتوضيح أسباب الحادث والكشف عن نتائج التحقيق وتقارير الأطباء الشرعيين، وهو ما تطالب به الجهات الحقوقية. يبقى مصير هذا المناضل محاطاً بالغموض الكبير، لكن سيرته ستبقى شاهداً على عقود من النضال من أجل العدالة والحرية، من شوارع باريس إلى زنازين القنيطرة، ومن قضايا الشعوب إلى الدفاع الأبدي عن فلسطين.