الأحزاب المغربية بين وهم الأيديولوجيا وواقع المصلحة والشيخوخة

المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

لقد نشأ الانقسام السياسي بين اليمين و اليسار في رحم الثورة الفرنسية، كفلسفة عميقة تحدد مسار المجتمعات وتوجهات الدول. ففي قاعة الجمعية الوطنية، جلس أنصار الملك والنظام القديم على اليمين، بينما احتضن اليسار دعاة التغيير والثورة. ومنذ ذلك الحين، ترسخت هذه الثنائية كأبجدية للحياة السياسية العالمية؛ فاليمين يمثل صوت المحافظة على التقاليد، والدفاع عن النظام، وتقديس الحرية الفردية والسوق الحرة، مع إيمان بضرورة تقليص تدخل الدولة. وفي المقابل، يرفع اليسار لواء التغيير و الإصطفاف إلى جانب الشعب، ويسعى نحو العدالة الاجتماعية، ويطالب بتدخل الدولة لإعادة توزيع الثروة وضمان الحقوق الأساسية كالصحة والتعليم للجميع. هذه هي الأصول الفكرية التي تشكل بوصلة الأحزاب في الديمقراطيات العريقة، حيث يمثل كل تيار نصفاً متكاملاً في معادلة الحكم والحياة، يمنع المجتمع من الاختناق في الجمود أو الغرق في الفوضى.

ولكن عندما نُسقط هذه الأبجدية السياسية على المشهد الحزبي في المغرب، فإننا نصطدم بواقع مغاير تماماً، واقع يشي بفراغ أيديولوجي مريع. فالمتابع لحركة الأحزاب المغربية يجد نفسه عاجزاً عن تصنيفها بوضوح ضمن خانة اليمين أو اليسار بالمعنى الفلسفي والبرنامجي المتعارف عليه عالمياً. إنها أحزاب ترفع شعارات فضفاضة، وتتبنى برامج انتخابية متناقضة، وتتحالف وتتفكك وفقاً لمنطق واحد لا ثاني له، منطق المصلحة. لقد تحولت هذه الأحزاب، وللأسف الشديد، إلى مجرد تجمعات مصلحية أو دكاكين انتخابية هدفها الأسمى هو الظفر بالمقاعد والمناصب والتعويضات المادية و المعنوية كالتهرب الضريبي وما إلى ذلك، وليس تجسيد رؤية مجتمعية واضحة أو الدفاع عن مبادئ ثابتة.

إن غياب التمايز الأيديولوجي الواضح هو العرض الأبرز لهذا الخلل. فالحزب الذي يُصنّف نظرياً على أنه “يساري” قد تجده في هذا الوطن يدافع بشراسة عن سياسات اقتصادية ليبرالية متوحشة، تدعم الخصخصة وتقليص الدعم الاجتماعي، وهي سياسات تُعد في صميم الأجندة اليمينية المتشددة. وفي المقابل، قد تجد حزباً يُفترض أنه “يميني محافظ” يتبنى خطاباً شعبوياً يطالب بزيادة الإنفاق الاجتماعي وتأميم بعض القطاعات، وهو ما يتنافى مع جوهر الفلسفة اليمينية التي تؤمن بمحدودية تدخل الدولة. هذا التذبذب والسيولة في المواقف لا يعكس مرونة سياسية، بل يكشف عن هشاشة فكرية وبراغماتية مفرطة تجعل من الأيديولوجيا مجرد قناع زائف يُلبس ويُخلع حسب مقتضيات اللحظة السياسية ومتطلبات التحالفات الحكومية، على حد قول الفنان الكوميدي محمد الجم (اليوم مع..وغذا ضد).

إن هذا التآكل الأيديولوجي يجد جذوره في طبيعة التركيبة القيادية لهذه الأحزاب. فالمشهد الحزبي المغربي، في أغلبه، هو مشهد الكهولة السياسية وهيمنة الشيوخ التي ترفض فكرة “الفطام”. إنها أحزاب يحكمها جيل من القادة الذين اعتادوا على نمط معين من الممارسة السياسية، نمط يقوم على الولاءات الشخصية والعائلية، والتحكم في مفاصل القرار، وتوريث المناصب، بدلاً من التجديد الفكري وضخ دماء شابة قادرة على استيعاب تحولات العصر وتحديات المستقبل. هذه القيادات، التي طال عليها الأمد وهرمت، أصبحت تمثل حاجزاً أمام أي محاولة لتحديث الخطاب الحزبي أو إعادة بناء الهوية الأيديولوجية على أسس متينة.

إن هيمنة الشيوخ على كراسي المسؤولية الحزبية لا تعني بالضرورة الحكمة والخبرة، بل تعني في كثير من الأحيان الجمود و والإستبداد والاستعباد والخوف من التغيير. فالقائد الذي أمضى عقوداً في دهاليز السياسة يصبح أكثر إرتباطاً بشبكة المصالح القائمة وأكثر حرصاً على الحفاظ على الوضع الراهن الذي يضمن له استمرارية النفوذ له ولعائلته ولمن صوت له وأبقاه تمثالا محنطا، حتى لو كان ذلك على حساب المبادئ التي من المفترض أن يدافع عنها حزبه. هذا الجمود يقتل أي محاولة لاستقطاب الأيديولوجي الحقيقي في المجتمع، ويحول الصراع السياسي من صراع بين أفكار ورؤى إلى صراع على المغانم والمواقع.

والنتيجة الحتمية لهذا الواقع هي أن الأحزاب المغربية أصبحت، في جوهرها، أحزاب مصلحية بامتياز. تتشكل وتتغير وتتحالف وتتصارع ليس بناءً على قناعات فكرية أو برامج اجتماعية واقتصادية متمايزة، بل بناءً على حسابات الربح والخسارة في كل استحقاق انتخابي. فالحزب الذي كان بالأمس في صف المعارضة يهاجم سياسات الحكومة، تجده اليوم شريكاً أساسياً فيها، يدافع عن نفس السياسات التي كان ينتقدها بالأمس، دون أن يقدم أي تبرير أيديولوجي مقنع لهذا التحول الدراماتيكي. هذا السلوك يرسخ لدى المواطن قناعة راسخة بأن السياسة في المغرب هي لعبة مصالح، وأن الأيديولوجيا مجرد أداة للمزايدة لا غير.

إن هذا الواقع المصلحي له تداعيات خطيرة على الحياة الديمقراطية في المغرب.

أولاً، يؤدي إلى تراجع منسوب الثقة في المؤسسات الحزبية والسياسية بشكل عام، حيث يشعر المواطن بأن صوته لا يذهب إلى من يمثل قناعاته، بل إلى من يسعى لتحقيق مصالحه الشخصية أو الفئوية.

ثانياً، يساهم في تسطيح النقاش العام، حيث يغيب الجدل العميق حول الخيارات الكبرى للدولة والمجتمع (هل نتبنى اقتصاداً ليبرالياً أم إجتماعياً؟ هل نركز على التنمية البشرية أم البنية التحتية؟)، ليحل محله نقاش سطحي حول الأشخاص والمناصب.

ثالثاً، والأخطر، أنه يفتح الباب واسعاً أمام الشعبوية، حيث يجد السياسي الذي لا يملك عمقاً أيديولوجياً ضالته في استغلال العواطف والمطالب الآنية للجماهير دون تقديم حلول مستدامة بالرغم من قضائه لأكثر من ثلاثة ولايات.

إن الخروج من هذا المأزق يتطلب، أولاً وقبل كل شيء، ثورة داخلية في بنية الأحزاب المغربية. ثورة تعيد الاعتبار للفكر والمبدأ على حساب المصلحة والولاء. يجب أن تفتح هذه الأحزاب أبوابها للجيل الجديد من الشباب المثقف والواعي، وأن تمنحهم الفرصة لتولي القيادة، ليس كديكور شبابي، بل كقوة دافعة للتغيير الأيديولوجي والبرنامجي. إن التجديد القيادي ليس مجرد تغيير للوجوه، بل هو تجديد للرؤية وإعادة تعريف للهوية الحزبية. ولن يتسنى هذا إلا بوجود قانون صارم وقوي للأحزاب، وهذا من المستحيلات في ظل مشرعين بقبة البرلمان الكل يعرفهم.

يمكن القول إن الأحزاب المغربية تقف اليوم في منطقة رمادية بين اليمين واليسار، وهي منطقة لا تحكمها الأيديولوجيا بل تحكمها البراغماتية المصلحية وهيمنة الحرس القديم. إنها أحزاب تفتقر إلى العمود الفقري الفكري الذي يمكّنها من أداء دورها الحقيقي كقوة اقتراح وتأطير. وإلى أن تستعيد هذه الأحزاب بوصلتها الأيديولوجية، وتتخلص من قيود الكهولة المصلحية والمومياءات، فإنها ستظل تدور في حلقة مفرغة، وستبقى الحياة السياسية المغربية تفتقر إلى ذلك التوازن الضروري بين صوت التغيير الذي يمثله اليسار، وصوت النظام الذي يمثله اليمين، وهو التوازن الذي لا يختنق بدونه أي مجتمع في الجمود ولا يغرق في الفوضى. غير ذلك ستبقى لدينا أحزاب تمثل الأسياد و الشعب هم العبيد إستنادا إلى المقولة الشهيرة “كما تكونوا يولى عليكم”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!