بلجيكا على حافة الهاوية : ميزانية مفقودة ومجتمع غاضب يهددان الائتلاف الحاكم

الحكومة البلجيكية

الحسين بنلعايل – موطني نيوز 

يبدو أن “الحل” الذي تم التوصل إليه في بلجيكا بعد انتخابات يونيو 2024 وتشكيل حكومة “أريزونا” الجديدة بقيادة بارت دي ويفر في فبراير 2025، لم يكن سوى تأجيل مؤقت لأزمة أعمق. اليوم، تقف الحكومة أمام اختبار وجودي، محاصرة بين مطرقة المطالب الأوروبية لضبط الميزانية وسندان الشارع البلجيكي الغاضب الرافض لسياسات التقشف. المشكلة الأساسية، وهي مزيج من العجز المالي الضخم والانقسامات الأيديولوجية العميقة، لم تُحل، وهي الآن تهدد بإسقاط الائتلاف وإغراق البلاد في المجهول مجدداً.

جوهر الأزمة الحالية هو التناقض الصارخ بين وعود الحكومة وواقع الأرقام. يواجه الائتلاف، الذي يضم أحزاباً من اليمين الفلمنكي (N-VA) إلى اليسار الفلمنكي (Vooruit)، ضغوطاً هائلة من الاتحاد الأوروبي لخفض العجز الهيكلي في الميزانية، والذي يقدر بمليارات اليوروهات. لكن خطة الحكومة لتحقيق ذلك هي عبارة عن حقل ألغام سياسي واجتماعي. تتضمن المقترحات إصلاحات مثيرة للجدل، مثل وضع سقف زمني لمدة عامين لإعانات البطالة، وإصلاح أنظمة التقاعد، وزيادة “مرونة” سوق العمل. بالنسبة للنقابات العمالية وقطاع واسع من المواطنين، هذه ليست “إصلاحات” بل هي هجوم مباشر على النموذج الاجتماعي وتفكيك للمكتسبات، يستهدف الفئات الأكثر ضعفاً بينما يتساهل مع الأثرياء.

وقد ظهرت نتيجة هذا التناقض في الشوارع. المظاهرات الحاشدة التي شهدتها بروكسل مؤخراً، بقيادة النقابات، ليست مجرد احتجاج روتيني، بل هي إنذار واضح للحكومة بأنها تلعب بالنار. الغضب الشعبي حقيقي وعميق، ويُنظر إلى إجراءات التقشف على أنها ثمن باهظ يُدفع لإرضاء بروكسل (الأوروبية) على حساب بروكسل (البلجيكية). هذا الوضع يضع حزب “Vooruit” الاشتراكي، المشارك في الائتلاف، في موقف لا يُحسد عليه، ممزقاً بين ولائه الحكومي ومبادئه الأساسية وقاعدته الانتخابية التي تتظاهر في الشوارع ضد سياساته. هذا التصدع الأيديولوجي داخل الحكومة هو نقطة ضعفها القاتلة.

المشكلة العميقة، التي تتجاوز الميزانية، هي أن الهيكل السياسي البلجيكي نفسه مصمم للوصول إلى تسويات معقدة، وليس لاتخاذ قرارات مؤلمة وسريعة. إن وجود حزب قومي فلمنكي (N-VA) يقود الحكومة الفيدرالية لأول مرة هو بحد ذاته مفارقة تاريخية، لكنه لم يحل الانقسام الجوهري بين فلاندرز ووالونيا. بل إن الاتفاق الحكومي التزم الصمت بشكل لافت حول أي إصلاحات دستورية كبرى، مما يعني أن القنبلة الموقوتة للانقسامات المجتمعية لا تزال مدفونة تحت السطح.

أمام هذا المشهد المعقد، تبدو الخيارات محدودة وجميعها سيئة. يتطلب التحليل العميق تجاوز فكرة “الحل السحري” والتركيز على المقترحات الواقعية لإدارة الأزمة:

  1. إعادة التفاوض على الاتفاق الحكومي (وتخفيف التقشف): المقترح الأكثر ترجيحاً لتجنب السقوط الفوري هو أن ترضخ الحكومة للضغط الشعبي. قد يعني هذا تخفيف الإجراءات الأكثر إيلاماً، مثل سقف إعانات البطالة، وتوزيع العبء الضريبي بشكل أكثر عدلاً. هذا سيتطلب تنازلات كبيرة من الجناح اليميني في الائتلاف، ولكنه قد يكون الثمن الوحيد للحفاظ على تماسك الحكومة وتهدئة الشارع. لكن هذا الحل سيثير غضب الاتحاد الأوروبي وقد لا يكون كافياً لضبط الميزانية.
  2. المواجهة الشاملة (والمخاطرة بالسقوط): أن يقرر رئيس الوزراء دي ويفر المضي قدماً في خطته الأصلية، مستخدماً تكتيك “الصدمة” لفرض الإصلاحات. هذا المسار يعني مواجهة مفتوحة مع النقابات والشارع، ويضع ضغطاً هائلاً على شركائه في الائتلاف، خاصة الاشتراكيين. إنها مقامرة عالية المخاطر؛ فإما أن تنجح في “كسر” المعارضة (وهو أمر مستبعد في بلجيكا)، أو أن تؤدي إلى انسحاب حزب “Vooruit” وانهيار الحكومة.
  3. ربط الإصلاح الاقتصادي بالإصلاح الدستوري: وهو المقترح الأكثر جذرية والأقل احتمالية على المدى القصير. قد يطرح البعض فكرة أن المشاكل الاقتصادية لا يمكن حلها دون معالجة الانقسامات المؤسسية. قد يشمل هذا منح المناطق (فلاندرز ووالونيا) المزيد من الاستقلالية المالية والمسؤولية عن قراراتها. ومع أن هذا هو المطلب التاريخي لـ N-VA، فإن طرحه الآن قد يُنظر إليه على أنه انتهازية سياسية وهروب من المشاكل الملحة، وقد يسرّع من تفكك الائتلاف بدلاً من حله.

وفي النهاية، تجد بلجيكا نفسها في مأزقها المعتاد ولكن بحدة أكبر. الحكومة الحالية إما أن تختار الانهيار سريعاً برفضها التنازل، أو أن تختار الموت البطيء عبر تقديم تنازلات تفقدها مصداقيتها داخلياً وخارجياً. وبينما يراقب الشعب البلجيكي هذه الدراما السياسية، يظل المشكل الحقيقي معلقاً، كيف يمكن لدولة مقسمة أن تحكم نفسها بفاعلية في مواجهة أزمات اقتصادية واجتماعية لا ترحم؟ الإجابة على هذا السؤال هي ما سيحدد مصير الحكومة، وربما مصير الدولة في شكلها الحالي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!