
المصطفى الجوي – موطني نيوز
كعادتها ولليوم الخامس على التوالي كتبت صحيفة “لوموند” الفرنسية المأجورة يومه الخميس 28 غشت 2025 مقالاً حاولت فيه اختزال دولة بمؤسساتها ودستورها وتاريخها العريق في ما أسمته “فن أسرار القصور”، معيدة إنتاج أدبيات استشراقية بالية تختزل المملكة المغربية في نزاعات بلاطية وهمية، وكأنها مجرد مسرح لمسلسل “صراع العروش” وليست فاعلاً رئيسياً في geopolitics المنطقة والعالم. يحاول كاتب المقال بتعليمات من أسياده تأسيس نظريته للسلطة على معيار هش ومبتذل : “قائمة المدعوين إلى المناسبات الملكية”. إن محاولة قياس نفوذ شخصية وطنية أو ترتيبها في “نخبة المملكة” بناءً على ظهورها في صورة جماعية هو قمة التبسيط والسذاجة التحليلية، وهو منطق يعكس فهمًا سطحيًا لطبيعة الدولة الحديثة العميقة التي تُدار بمؤسسات وليس بدعوات إلى مآدب إفطار. إن الإدارة الحديثة لأي دولة، بما فيها فرنسا، تقوم على التغيير والتجديد وتناوب الكفاءات وفق مستجدات المرحلة ومتطلباتها. ما يصوره المقال على أنه “نفي” أو “تغييب” هو في حقيقة الأمر حركية طبيعية وصحية في أي نظام يحافظ على ديناميته ويجدد دماءه، بعيدًا عن الجمود.
هذا ويعترف المقال نفسه بأن مصدر “معلومته” حول سبب تغييب أحد رجال الأعمال هو “يُقال” (dit-on). هذه الكلمة التي تختزل مهنية الصحافة تكشف المنهجية الهشة للمقال الذي يبني استنتاجات ضخمة على أساس إشاعات ونميمة من صالونات اجتماعية. أين هي الوثائق؟ أين هي المصادر المباشرة والموثوقة؟ يبدو أن معايير التحقق التي تتباهى بها صحيفة “لوموند” الفرنسية الإستعمارية تتوقف عند حدود البوابة الأطلسية. الخطأ الجسيم الآخر هو اختزال الدولة المغربية بمؤسساتها الدستورية، وحكومتها المنتخبة، وبرلمانها، ومشاريعها التنموية الضخمة، في مفهوم “المخزن” الأسطوري الذي يتداوله الغرب لعدم قدرته على فهم التعقيد المغربي. فالمغرب اليوم هو دولة اقتصادات كبرى، واستثمارات دولية ضخمة، ومشاريع بنية تحتية عملاقة، واستقرار سياسي يحسد عليه في منطقة مضطربة. كل هذا يتم إنجازه برؤية ملكية استراتيجية وليس بصراعات الحاشية. إن الحديث عن “شكل من العصبية” و “عدم اليقين حول مستقبل الحكم” هو محض تخمين لا يستند إلى أي معطى ملموس. فالمغرب يسير، بثبات ووضوح، في مسار تنموي طموح بقيادة جلالة الملك محمد السادس، الذي يحظى بشرعية تاريخية وشعبية لا غبار عليها، ويقود بلاده بخطى ثابتة نحو المستقبل.
و لا يمكن فصل هذا النوع من المقالات عن السياق العام للعلاقات المغربية-الفرنسية المتوترة أصلا، والتي يشهد فيها النموذج المغربي صعودًا قويًا بينما ترزح فرنسا تحت وطأة أزماتها الداخلية وفقدانها التدريجي للنفوذ في أفريقيا بعدما طردتها روسيا و الصين منها. إن محاولة تصوير المغرب على أنه دولة “غير مستقرة” أو تعيش على “أعصابها” هو نوع من الحرب النفسية الإعلامية البائسة و اليائسة، يحاول تعويض الخسائر الجيوسياسية الفرنسية وإرضاء تلك الأوساط التي لا تزال تنظر إلى المغرب من خلال عدسة ما بعد الاستعمار. فبدلاً من انتظار قائمة المدعوين إلى وجبة العشاء، ندعو صحيفة “لوموند” الحاقدة إلى قراءة التقارير الاقتصادية الدولية التي تضع المغرب في مراتب متقدمة، وإلى متابعة الدور الدبلوماسي الفاعل للمملكة على الساحة الدولية، وإلى فهم النموذج التنموي الفريد الذي يقوده جلالة الملك. إن استمرار “لوموند” في تبني هذه النظرة الدونية التي تختزل أمة بكاملها في إشاعات القصور لن يضر بمصداقيتها فحسب، بل سيكشف عن حقيقة واحدة، أن بعض الإعلام الغربي، رغم كل ادعاءاته، لم يتخلص بعد من عقدة التفوق ولم يستطع فهم أن العالم قد تغير، وأن المغرب لم يعد ذلك البلد الذي ينتظر أحداً ليحكم عليه أو يمن عليه.