
المصطفى الجوي – موطني نيوز
مرة أخرى، تسقط صحيفة “لوموند” الإستعمارية المأجورة في مستنقع التحليل السطحي والافتراءات المبطنة، محاولةً يائسةً لرسم صورة مشوهة للدبلوماسية المغربية، وتقديمها على أنها سلسلة من “المناورات” والضغوط. فالمقال الأخير ليوم الأربعاء 27 غشت 2025 الذي عنونته بـ “Mohammed VI, roi des grandes manœuvres diplomatiques“، الذي يبدو وكأنه سيناريو فيلم رديء أكثر من كونه تحليلاً سياسياً رصيناً، يكشف عن جهل عميق بحقائق التاريخ والجغرافيا السياسية، أو ربما تجاهل متعمد لها، خدمةً لأجندات لم تعد خافية على أحد.
إن تصوير السيادة المغربية على صحرائه بأنها مجرد “هدية دبلوماسية” قدمتها فرنسا بعد “رضوخها” لا يعكس سوى عقلية استعمارية بالية ما زالت تحن إلى زمن كانت فيه باريس تمنح وتمنع. الحقيقة التي تتجاهلها صحيفة “لوموند” الإستعمارية هي أن مغربية الصحراء ليست ورقة تفاوض أو سلعة في سوق الابتزاز السياسي، بل هي حقيقة تاريخية وواقع راسخ تدعمه إرادة شعب بأكمله، وتضحيات أجيال متلاحقة. والاعترافات الدولية المتزايدة بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، بما في ذلك اعتراف قوى عظمى مثل الولايات المتحدة وإسبانيا، ليست نتيجة “مناورات”، بل هي تصحيح لمسار التاريخ، وإقرار بالشرعية، وفهم عميق للديناميكيات الإقليمية التي تجعل من الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الحل الأكثر واقعية ومصداقية لهذا النزاع المفتعل.
عجيب أن تتحدث الصحيفة معروفة بإبتزازها الطويل للمملكة عن “برود قطبي” فرضته الرباط، متناسيةً أن المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، قد أرسى عقيدة دبلوماسية جديدة تقوم على الوضوح والطموح والسيادة الكاملة منذ أول يوم من إعتلائه العرش. فالمغرب لم يعد يقبل بالعلاقات الرمادية أو المواقف الملتبسة من شركائه، خاصة في قضيته الوطنية الأولى. فإذا كان الدفاع عن الوحدة الترابية يعتبر “ابتزازاً” في قاموس “لوموند” المتخصصة في الإبتزاز، فهذا يكشف عن خلل قيمي خطير لدى القائمين عليها. إن ما تسميه الصحيفة “ضغوطاً” هو في الحقيقة ممارسة طبيعية للسيادة، وحق مشروع لأي دولة في تحديد طبيعة علاقاتها بناءً على مصالحها العليا واحترام قضاياها المصيرية.
إن الإشارة إلى التقارب مع إسرائيل كجزء من هذه “المناورات” هو تبسيط مخل ومحاولة خبيثة لربط قضية الصحراء بأجندات لا علاقة لها بها. فالمغرب، كدولة ذات سيادة، يتخذ قراراته بناءً على رؤية استراتيجية شاملة تخدم مصالحه الوطنية العليا، بما في ذلك تعزيز السلام والاستقرار الإقليمي، مع التمسك الدائم بدعمه الثابت للقضية الفلسطينية وحل الدولتين.
فمقالكم اليوم كسابقيه لا يعدو كونه حلقة جديدة في مسلسل طويل من الابتزاز الإعلامي المفضوح الذي تمارسه بعض الدوائر الفرنسية ضد المغرب، في محاولة يائسة للتأثير على قراراته السيادية. لكن ما لا تدركه هذه الأقلام المأجورة هو أن المغرب قد تغير، وأن زمن الوصاية قد ولى إلى غير رجعة. فالمملكة المغربية الشريفة، بتاريخها العريق وقيادتها الحكيمة وشعبها الأبي، ماضية في طريقها بثقة وعزم، لا تلتفت إلى نباح الأقلام المأجورة أو خزعبلات الصحف التي فقدت مصداقيتها وتحولت إلى مجرد أدوات ضغط رخيصة تخدم من يدفع أكثر.
فعندما يتعلق الأمر بالمملكة المغربية، يبدو أن قلم صحيفة “لوموند” الفرنسية يغط في محبرة من الحنين الاستعماري والتحامل المنهجي، أكثر من حبر الصحافة الرصينة. فمنذ عقود، تحولت الصحيفة التي كانت تُعتبر مرجعاً للفكر، إلى منصة تعكس أزمات “الدولة العميقة” الفرنسية وتجاذباتها تجاه حليف تاريخي اختار أن يكون سيد قراره. إن تصفح أرشيف “لوموند” لا يكشف عن مجرد تغطية نقدية، بل عن خط تحريري يكاد يكون عدائياً، يستخدم نفس الأدوات ويجتر نفس الأسطوانات المشروخة منذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني، وصولاً إلى اليوم.
ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وجدت “لوموند” في ملف حقوق الإنسان، أو ما عُرف بـ”سنوات الرصاص”، مادة دسمة لتكريس صورة “المملكة القمعية”. ففي قضية اختفاء المعارض المهدي بن بركة، لم تكتف الصحيفة الحاقدة بدورها الإخباري، بل نصّبت نفسها مدعياً عاماً ومحققاً، وكرست أعداداً ومقالات مطولة، مثل تلك التي نشرها الصحفي “إينياكيو راموني” في الثمانينيات، والتي لم تكن مجرد سرد للوقائع، بل كانت بناءً لسردية كاملة تضع النظام المغربي في قفص الاتهام بشكل دائم. ورغم أن المغرب طوى هذه الصفحة بشكل شجاع عبر هيئة الإنصاف والمصالحة، وهي خطوة فريدة في العالم العربي، إلا أن “لوموند” الإستعمارية لا تزال حتى اليوم تستدعي هذا الماضي في كل مناسبة، متجاهلةً عن عمد الإصلاحات العميقة التي تلت تلك الفترة، وكأنها ترفض أن يخرج المغرب من الصورة النمطية التي رسمتها له.
ومع تولي جلالة الملك محمد السادس مقاليد الحكم، وبدء المغرب مساراً جديداً من التنمية والانفتاح، غيّرت “لوموند” تكتيكها ولكن ليس هدفها. تحولت ورقة الضغط من حقوق الإنسان بمعناها التقليدي إلى “الحريات الفردية” و”حرية الصحافة”. فأصبحت قضايا فردية، يتم تضخيمها بشكل غير متناسب لتصبح قضايا دولة، وتُستخدم كدليل على “تراجع” مزعوم في الحريات. على سبيل المثال، في تغطيتها لقضايا صحفيين حوكموا في قضايا حق عام لا علاقة لها بعملهم الصحفي، كما تجاهلت “لوموند” بشكل منهجي قرارات القضاء المغربي وتفاصيل الملفات، وقدمت الأمر كـ”هجوم على حرية التعبير”، كما فعلت في سلسلة مقالاتها حول قضية عمر الراضي أو سليمان الريسوني، متناسية أن العدالة يجب أن تطبق على الجميع.
لكن الأداة الأكثر فجاجة في يد المدعوة “لوموند” المأجورة تبقى قضية الصحراء المغربية. فمنذ المسيرة الخضراء، تتبنى الصحيفة خطاباً “رمادياً” منحازاً للكابرانات و للمنظمات الارهابية كالبوليخاريو، حيث تضع الشرعية التاريخية للمغرب في نفس كفة الأطروحات الانفصالية المدعومة من الجزائر ونظام القدافي البائد. ففي مقال شهير يعود إلى نوفمبر 1975، وصفت الصحيفة المسيرة الخضراء بأنها “مقامرة خطيرة” من الملك الحسن الثاني، بدلاً من كونها تعبيراً عن إرادة شعب بأكمله. هذا التوجه استمر لعقود، فكل نجاح دبلوماسي مغربي يُصوَّر على أنه “مناورة”، وكل اعتراف دولي بسيادة المغرب، كما حدث مع الولايات المتحدة أو إسبانيا، يُقدَّم في مقالات “لوموند” التحليلية المدفوعة الثمن على أنه نتاج “صفقات” أو “ابتزاز”، وليس نتيجة طبيعية لدبلوماسية نشطة ورؤية ملكية واضحة. مقالها الأخير حول “ملك المناورات الدبلوماسية” ليس إلا استنساخاً باهتاً لعشرات المقالات السابقة التي تقلل من شأن السيادة المغربية وتصورها كثمرة “لضغوط” وليس كحق تاريخي.
إن هذا التحامل المنهجي لا يمكن فهمه إلا كعرض من أعراض “عقدة الوصاية” التي لم تشفَ منها بعض النخب الفرنسية المريضة. فنجاح المغرب في أفريقيا، وتحوله إلى قوة إقليمية مؤثرة تنافس النفوذ الفرنسي التقليدي، واستقلالية قراره الدبلوماسي، كلها أمور تزعج باريس، وتجد “لوموند” نفسها في مقدمة الجوقة التي تحاول تقزيم هذا الدور والتشويش عليه. إنها لم تعد صحافة تحليل، بل أصبحت صحافة رد فعل، تعبر عن امتعاض قوة قديمة من صعود قوة جديدة ترفض أن تبقى في فلكها. فأرشيفكم ليس مجرد سجل للأحداث، بل هو مرآة لأزمة هوية فرنسية في تعاملها مع عالم متغير، ومغرب يكتب تاريخه بنفسه، بعيداً عن إملاءات وأحقاد أحفاد نابليون.