
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في محاولة يائسة لتشويه صورة مملكة ضاربة في جذور التاريخ، تعود صحيفة “لوموند” الفرنسية إلى اجترار أسطوانة مشروخة، عبر سلسلة مقالات تدّعي كشف “لغز” لا وجود له إلا في مخيلة كتّابها. فبأسلوب يقطر حقداً، وتحت عنوان يوحي بالوصاية، تحاول الصحيفة رسم صورة نمطية مهترئة عن علاقة الأب بابنه، والملك بولي عهده، متناسيةً أن منطق الدولة والمُلك في المغرب لا يخضع لتحليلات المقاهي الباريسية السطحية.
إن المقال الذي يصور شباب الملك محمد السادس بأنه كان “في ظل والده” ليس سوى قراءة استشراقية متعالية، تجهل أو تتجاهل عن عمد طبيعة التنشئة الملكية في المغرب، والتي تقوم على الإعداد والتكوين والتشبع بأصول الحكم ومبادئ الدولة. إنها ليست علاقة “ظل ونور” كما يصورها خيالكم المريض، بل هي علاقة تسليم وتسلم للمشعل، واستمرارية لعهد وبيعة شرعية تضرب بجذورها في أعماق تاريخ المغرب لأكثر من اثني عشر قرناً.
تتحدثون عن “ازدراء” مزعوم من الملك الراحل الحسن الثاني، طيب الله ثراه، تجاه ولي عهده آنذاك، مستندين إلى إشاعات وروايات لا تختلف عن ثرثرة الأروقة الخلفية. إن التاريخ يشهد أن الملك الحسن الثاني، الذي عرف بدهائه وحنكته، كان يعدّ خليفته لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. فمنذ نعومة أظفاره، تلقى الملك محمد السادس تعليماً صارماً ومتكاملاً، جمع بين الأصالة والمعاصرة، وتدريباً عملياً في دواليب الدولة ومؤسساتها، بل وفي قلب المفوضية الأوروبية. فهل هذا هو إعداد من “يشك في قدرته على الحكم”؟ أم هو حرص أبٍ وملكٍ على ضمان استمرارية الدولة وصون أمانتها؟
إن لجوء “لوموند” الفرنسية الحاقدة إلى إعادة تدوير مثل هذه الأقاويل البالية، والتي سبق أن روجتها أقلام معروفة بعدائها المرضي للمغرب، يكشف إفلاساً مهنياً وأخلاقياً مدوياً. فبدلاً من التحليل الرصين، تختار الصحيفة طريق الإثارة الرخيصة والنميمة، وتتحول إلى بوق يردد روايات غرف مظلمة وأصوات مأجورة.
إن محاولاتكم اليائسة لزرع الشكوك حول استقرار المملكة المغربية، عبر التكهنات حول صحة الملك أو علاقاته الأسرية، لن تزيد المغاربة إلا تمسكاً بملكهم وإصراراً على المضي قدماً في مسيرة البناء والتنمية التي يقودها بحكمة واقتدار. فالمؤسسة الملكية في المغرب ليست مجرد منصب، بل هي رمز لوحدة الأمة وضمانة لاستقرارها، وهي حقيقة يبدو أنها تستعصي على فهمكم.
إن كنتم في “لوموند” تبحثون عن “ألغاز”، فابحثوا عنها في تدهور مصداقيتكم، وفي سقوطكم المهني المدوي الذي جعلكم منبراً للأخبار الزائفة والأحقاد الدفينة. أما المغرب، فماضٍ في طريقه، شامخاً بملكه، قوياً بشعبه، ولا يضيره نباح الأقلام المأجورة ولا حقد الحاقدين.
تتغنى “لوموند” بماضيها كصوت للحقيقة، لكنها اليوم لا تعدو كونها صدى لأجندات سياسية لم تعد تخفى على أحد. ففي الوقت الذي يشهد فيه العالم تحولات جيوسياسية كبرى، ويعيد فيه المغرب تأكيد سيادته الكاملة على أراضيه بإعتراف دولي، وتنويع شراكاته بما يخدم مصالحه العليا، تخرج علينا هذه الصحيفة المأجورة بمثل هذه المقالات التي تفوح منها رائحة الاستعمار الثقافي والوصاية الفكرية. إنها محاولة بائسة للتشويش على نجاحات المغرب، وللنيل من رموزه في معركة إعلامية خاسرة سلفاً.
إن الإنجازات التي تحققت في عهد الملك محمد السادس هي الرد الأبلغ على كل المشككين. فمنذ اعتلائه العرش، أطلق الملك ورشاً إصلاحياً شاملاً وعميقاً مسّ جميع الميادين، سياسياً عبر إقرار دستور متقدم، وحقوقياً عبر هيئة الإنصاف والمصالحة التي طوت صفحة الماضي بجرأة وشجاعة، واقتصادياً عبر مشاريع بنوية كبرى جعلت من المغرب قوة إقليمية صاعدة، ودبلوماسياً عبر سياسة خارجية نشطة وفاعلة أعادت المملكة إلى مكانتها الطبيعية في إفريقيا والعالم. هذه هي الحقائق الملموسة على الأرض، وليست الأوهام التي تنسجها أقلامكم في مكاتب باريس المكيفة.
إن علاقة المغاربة بملكهم ليست علاقة حاكم بمحكوم، بل هي علاقة بيعة متجددة، وولاء راسخ، ومحبة صادقة. إنها علاقة متينة من معين تاريخي وروحي عميق، وتتجسد في التلاحم الفريد بين العرش والشعب في مواجهة كل التحديات. هذا التلاحم هو “اللغز” الحقيقي الذي فشلتم، وستفشلون دائماً، في فك شفرته، لأنه ببساطة خارج عن نطاق حساباتكم المادية الضيقة وفهمكم الاستعلائي للتاريخ.
ننصح صحيفة “لوموند” الفرنسية الاستعمارية المريضة بأن توجه أقلامها نحو القضايا الحقيقية التي تهم قراءها، وأن تكف عن لعب دور الناطق الرسمي باسم دوائر الحقد والضغينة تجاه المغرب. فالمملكة المغربية الشريفة، بتاريخها العريق وحاضرها المشرق ومستقبلها الواعد، أكبر من أن تطالها سهامكم المسمومة وأقلامكم المأجورة. وشمس الحقيقة المغربية ستظل ساطعة، مهما حاولتم حجبها بغربال ادعاءاتكم الواهية. فقافلة المغرب تسير، بقيادة ملكها، نحو العلياء، ولن تلتفت إلى الوراء، لكن عواء كلابكم لن يوقفها.