
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في عالمٍ يتسارع فيه تدفق المعلومات وتتداخل فيه حيواتنا عبر شاشاتٍ لا تنام، يصبح الصمت عن تفاصيلنا الشخصية ترفًا نادرًا، بل ضرورةً قصوى. إنها ليست دعوةً للانعزال أو جفاءً اجتماعيًا، بل هي حكمةٌ عميقة تدرك أن بعض التجارب والأحلام تشبه النبتة الصغيرة التي تحتاج إلى الظل والرعاية في بداياتها، قبل أن تشتد وتصبح قادرة على مواجهة الأنواء. أن تحتفظ بما ينمو في داخلك حتى يشتد عوده، هو أثمن ما يمكن أن تقدمه لنفسك.
إن الإفراط في كشف تفاصيل حياتك الخاصة، سواء كانت إنجازاتٍ قادمة أو تحدياتٍ قائمة، أشبه بفتح نافذةٍ في يومٍ عاصف. كل كلمة تشاركها هي دعوةٌ مفتوحة لتدخل التيارات الهوائية المختلفة، أحكام الناس، تأويلاتهم، نصائحهم غير المطلوبة، وحتى عيون الغيرة التي قد لا تظهر، لكنها تترك أثرًا خفيًا في صفاء تجربتك. تفقد اللحظة بكارتها الأولى، وتتحول من حدثٍ شخصيٍ عميق إلى مادةٍ للنقاش العام. ومع الوقت، قد تجد نفسك لا تعيش حياتك لنفسك، بل تعيشها تحت ضجيج أصوات الآخرين، محاولًا إرضاء توقعاتهم أو تفنيد شكوكهم، فتفقد بوصلتك الداخلية وتصبح حياتك صدىً لحياة الآخرين.
لا يقتصر هذا الفهم على الحبر الفلسفي أو الحكمة الشعبية، بل يمتد ليجد جذوره في أعمق العلوم الإنسانية والنصوص الدينية. فعلم النفس الاجتماعي، من خلال دراساته حول الالتزام الذاتي وتحقيق الأهداف، يوضح أن إعلان الأهداف أو اللحظات الخاصة قبل اكتمالها قد يُضعف الالتزام الداخلي للفرد. الدماغ البشري، في سعيه لتوفير الطاقة وتحقيق الراحة، قد يترجم الاعتراف العلني بالهدف وكأنه قد تحقق بالفعل. هذا الإشباع المبكر للرغبة في الاعتراف يقلل من الحافز الداخلي اللازم للمضي قدمًا وتحقيق الهدف على أرض الواقع. وكأن العقل يقول : “لقد حصلت على التقدير بالفعل، لماذا تكمل العمل؟”.
وقبل علم النفس بقرون، جاءت الحكمة الخالدة في القرآن الكريم لتؤكد هذا المعنى بقوله تعالى: ‘استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان’. هذه الآية ليست مجرد نصيحة دينية، بل هي قاعدة ذهبية في التعامل مع مشاريع الحياة وأهدافها. إنها دعوة للحفاظ على سرية العمل حتى يكتمل، ليس خوفًا من الحسد فحسب، بل لضمان بقاء الطاقة الدافعة والحافز الداخلي قويًا ونقيًا. وهكذا يلتقي العلم الحديث، بأبحاثه ودراساته، مع الحكمة القديمة، التي جاءت بها الكتب السماوية، ليؤكدا على مبدأ واحد، أن الصمت حول ما تبنيه، هو جزء أساسي من عملية البناء ذاتها.
أن تحتفظ بما ينمو داخلك حتى يشتد عوده، وأن تترك نضج التجربة يتكلم عنك بدلًا من أن تستهلكها بالكلمات، هو فنٌّ رفيع. الصمت هنا ليس عزلةً سلبية، بل هو قوةٌ كامنة، حمايةٌ لمساحتك الداخلية، ومنحٌ لحياتك فرصةً ذهبية لتتشكّل وتتكامل بعيدًا عن ضوضاء التوقعات وتأثيرات الآخرين. إنه استثمارٌ في ذاتك، وفي نقاء تجربتك، وفي أصالة إنجازاتك. فلتكن حياتك قصةً تكتبها أنت، لنفسك أولًا، وللعالم حين يحين أوانها، لا قبل ذلك.
دع ما في داخلك ينمو ويزهر في صمت، فثمار الصبر والكتمان هي الألذ والأبقى.