
الحسين بنلعايل – موطني نيوز
في زمنٍ تتغنى فيه الإنسانية بقيمها ومبادئها، وتُرفع فيه رايات الحقوق والكرامة، تتكشف لنا حقائق صادمة من قلب المملكة البلجيكية، حيث يُفترض أن يجد الإنسان ملاذاً آمناً وكرامة مصونة. لكن، ويا للأسف، يبدو أن يد الاستغلال قد امتدت لتطال أقدس ما يملكه الإنسان، كرامته حتى بعد الممات. إن ما يجري في بعض مساجد بلجيكا ليس مجرد حادثة عابرة أو تجاوز فردي، بل هو عرضٌ لمرضٍ عضال ينخر في جسد الجالية المسلمة، ويُلقي بظلاله القاتمة على مفهوم الدين والمؤسسات التي تدعي تمثيله.
لقد وصلتنا شهاداتٌ موثوقة، لا تدع مجالاً للشك، بأن هناك من يتخذ من الموت تجارةً رابحة، ومن الجثث سلعةً تُباع وتُشترى في سوقٍ سوداء لا تعرف الرحمة ولا الأخلاق. أن يُحتكر تجهيز جثامين المسلمين، وأن تُفرض مبالغ مالية فلكية تصل إلى 4000 يورو للجثة الواحدة، فهذا ليس استغلالاً فحسب، بل هو امتهانٌ لكرامة الميت، واستنزافٌ لجيوب أهله الذين يعيشون أصلاً تحت وطأة الغربة وتحدياتها. إنها رشوةٌ مقنعة، تُدفع لـسمسار الموت ربما شخص أو جماعة ولما جمعية لها حساب بنكي، الذي يجمع من وراء هذه التجارة القذرة (15 جثة) ما يقارب 60 ألف يورو سنوياً، في مشهدٍ يذكرنا بأسوأ صور الفساد والانتهازية.
الأمر لا يتوقف عند حدود الاستغلال المالي البشع، بل يتعداه إلى تهديدٍ مباشر للصحة العامة. فكيف يعقل أن مستودعاً مخصصاً لتجهيز الجثث، لا يتوفر على أجهزة تبريد احترافية؟ إن تلف الجثث، كما أكد شهود عيان وأئمة شهدوا بأعينهم جثثاً في حالة تفسخ واضحة، ليس مجرد إهمال، بل هو جريمةٌ بحق الإنسانية. وعندما تُرسل هذه الجثث المتفسخة عبر الطائرات إلى المغرب لدفنها، فإننا نتحدث عن خطرٍ وبائي يهدد المسافرين الأبرياء، ويُلقي بظلالٍ من الشك على الإجراءات الصحية المتبعة في المطارات وشركات الطيران. إنها فضيحةٌ بكل المقاييس، تكشف عن تواطؤٍ أو إهمالٍ جسيم من قبل من يُفترض بهم حماية الأرواح وصون الكرامة.
إن هذه الممارسات لا تمس كرامة المتوفين وأسرهم فحسب، بل تهز الثقة في المؤسسات الدينية التي يُفترض أن تكون ملاذاً روحياً وأخلاقياً للجالية. فكيف يمكن للمسلمين أن يثقوا في مساجد تحولت إلى بؤر للاستغلال والفساد؟ إنها دعوةٌ صريحة للجالية المسلمة في بلجيكا، وفي كل بلاد المهجر، لليقظة والحذر. لا يمكن أن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذا العبث، بل يجب أن نرفع أصواتنا عالياً، ونطالب بالتحقيق العاجل والشفاف في هذه الممارسات. إن كرامة موتانا ليست سلعةً للمساومة، وسلامة أحيائنا ليست مجالاً للتهاون.
إننا نناشد السلطات البلجيكية المختصة، التي تُعرف باحترامها للقانون وحرصها على صحة مواطنيها والمقيمين على أرضها، أن تتدخل فوراً. يجب مراقبة مستودعات تجهيز الأموات، والتأكد من مطابقتها للمعايير الصحية والإنسانية. يجب وضع حدٍ لهذا الاستغيان الذي يسيء إلى سمعة بلجيكا كدولة تحترم حقوق الإنسان. هذا الملف الخطير يجب ألا يمر مرور الكرام، فالموتى لهم حرمتهم، والأحياء لهم حقوقهم، وكرامة الإنسان فوق كل اعتبار. سنواصل، كفريق صحفي، مراقبة هذا الوضع عن كثب، وسنطالب بتوضيحات رسمية من الجهات المعنية، وسنكشف كل المستجدات للجالية، لأن واجبنا هو الدفاع عن حقوقهم وكرامتهم. ولن نتوقف عند هذا الحد، فشبكات اللحم الحلال التي تدعي أن البهائم تذبح وفق الشريعة الإسلامية وهي في الحقيقة تصعق بالكهرباء أو تقتل بطلقة في الرأس، لن تسلم من أقلامنا. فالحقيقة، مهما كانت مرة، يجب أن تُقال، والفساد، مهما كان متخفياً، يجب أن يُعَرَّى.