هاينة يا هاينة..أش عشاك الليلة؟

هاينة و الغول

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في قديم الزمان، بالمغرب وفي أرض خصبة بعيدة، كانت هناك قبيلة تعيش في سلام على حافة غابة كثيفة وغامضة. كانت هذه الغابة مصدر الحطب للقبيلة، لكنها كانت أيضًا عرينًا لوحش مخيف يُعرف بالغول، الذي كان يحكمها بقبضة من حديد.

كانت فتيات القبيلة، وهن سبع، يذهبن كل يوم إلى الغابة لجمع الحطب، ومن بينهن كانت فتاة اسمها “هاينة”، كانت آية في الجمال، يضيء وجهها كالقمر في ليلة تمامه. في أحد الأيام، بينما كن يجمعن الحطب، وجدت كل فتاة شيئًا غريبًا، واحدة وجدت خاتمًا، وأخرى شربيلاً جميلاً، أما هاينة، فقد عثرت على “مشهب” قديم، وهو أداة لإشعال النار. لم تدرك حينها أن هذا المشهب سيغير مصيرها إلى الأبد.

مع اقتراب الغروب، بدأت الفتيات رحلة العودة، وكل واحدة منهن تحمل حزمة حطبها. كان عليهن العودة قبل حلول الظلام، فالليل هو وقت الغول. لكن حزمة هاينة كانت تتفكك وتسقط مرارًا وتكرارًا، وفي كل مرة، كانت صديقاتها يتوقفن لمساعدتها في إعادة ربطها. استمر الأمر على هذا النحو حتى بدأ الظلام يزحف على الغابة، فخافت الفتيات على أنفسهن، وتركن هاينة وحيدة خلفهن وهربن إلى القبيلة.

عندما عم الظلام، ووجدت هاينة نفسها وحيدة بين الأشجار الشاهقة، ظهر من بين الظلال جسد ضخم، كان هو الغول. نظر إليها بعينيه المتقدتين، وبدلاً من أن يؤذيها، قام بربط حزمة حطبها بإحكام، ووضع المشهب الذي وجدته في قلب الحزمة، ثم قال بصوت أجش: “سأعود من أجله”. عادت هاينة إلى منزلها مرتجفة، وأخبرت والدتها بما حدث، لكن الأم، في محاولة لتهدئتها، قالت لها ألا تبالي بكلامه.

مرت الأيام، وفي ليلة عاصفة، حيث كانت السماء تمطر بغزارة والرعد يهز الأركان، سمعت هاينة طرقًا عنيفًا على الباب. سألت بصوت خائف: “من الطارق؟” فجاءها صوت الغول من الخارج: “أنا، أعطني المشهب”. ارتعدت هاينة وقالت: “سأرسله لك مع عمتي”، فصرخ الغول: “لا!”. قالت: “سأرسله مع خالتي”، فرفض مرة أخرى. في النهاية، قالت لها والدتها: “اذهبي أنت والخادمة وأعطيه إياه”. عندما فتحت هاينة الباب بحذر، خطف الغول المشهب من يدها، وبلمح البصر، ضرب به الخادمة فأعماها، ثم أمسك بهاينة واختفى بها في جوف الظلام.

مر وقت طويل، وعاد ابن عم هاينة، الذي كان يحبها حبًا جمًا وينوي الزواج بها، إلى القبيلة ليسأل عنها. كذبت عليه والدة هاينة، خوفًا من الفضيحة، وقالت له إن هاينة قد ماتت، وأخذته إلى قبر مزيف. غرق الشاب في حزن عميق، وبنى خيمة بجانب القبر، وعاش هناك، وفاءً لذكراها. في أحد الأيام، مرت به امرأة عجوز حكيمة، وسألته عن سبب بقائه هنا، فأخبرها بقصته. نظرت إليه العجوز وقالت: “هاينة لم تمت، لقد خطفها الغول وهي الآن أسيرته”.

اشتعلت النار في قلب ابن عمها، فنهض وعاد إلى منزل عمته، وطلب منهم أن يصنعوا له “بركوكش” ساخنًا. عندما أحضرته له والدة هاينة، أمسك بيدها ووضعها في الطبق الساخن، فصرخت من الألم واعترفت بالحقيقة المرة. لم يضيع الشاب وقتًا، فأعد أربع سلال كبيرة، ملأها بالمسامير والخناجر والملح، وانطلق على حصانه للبحث عن حبيبته.

في طريقه، رأى تلة سوداء، فسألها: “أيتها التلة، لماذا أنتِ حزينة وسوداء؟” فأجابت: “وكيف لا أحزن وقد مرت من أمامي هاينة الجميلة وهي أسيرة؟”. ثم مر بتلتين، واحدة صفراء وأخرى خضراء، وقالتا له نفس الكلام. أخيرًا، وصل إلى تلة بيضاء ناصعة، فسألها: “أيتها التلة، لماذا أنتِ سعيدة وبيضاء؟” فأجابت: “وكيف لا أكون كذلك وهاينة تسكن بجواري؟”.

أسرع الشاب بحصانه نحو قبيلة الغول، وحذره أهلها من الاقتراب من منزل الوحش، لكنه لم يستمع. وجد ديكًا أمام المنزل فسأله عن مكان هاينة، فأجابه الديك: “إنها في الداخل تغزل الصوف”. ثم همس له: “أخرج بالصوف إلى الخارج، وستتبعك لتأخذه”. فعل الشاب ما قيل له، وعندما خرجت هاينة ورأت ابن عمها، تجمدت في مكانها من المفاجأة والخوف، وقالت له: “ماذا تفعل هنا؟ هل تريد أن يقتلنا الغول؟”. خبأته بسرعة في صومعة قمح، ورشت المكان بعطر الورد لتخفي رائحته.

عندما عاد الغول، شم رائحة غريبة وقال: “أشم رائحة إنسان!”. لكن هاينة أنكرت ذلك مرارًا حتى صدقها. بعد العشاء، ربط الغول شعر هاينة الطويل بقدمه وهو نائم حتى لا تهرب. لكن نملة صغيرة، شعرت بمعاناة هاينة، عملت طوال الليل على قضم خصلة الشعر حتى تحررت. هربت هاينة مع ابن عمها على ظهر الحصان، وفي تلك اللحظة، بدأ المهراز في المنزل يدق من تلقاء نفسه وهو يصرخ: “استيقظ يا سيدي الغول، فهاينة قد هربت!”.

استيقظ الغول غاضبًا ولحق بهما. كان ينادي: “عودي يا هاينة وسأعطيكِ أساور من ذهب!”، فكانت تجيب: “لا أريدها!”. “عودي وسأعطيكِ خاتمًا!”، فكانت تصرخ: “لن ألبسه!”. بدأ ابن عمها يرمي المسامير من السلال ليعيق الغول، الذي كان يتألم وهو ينزعها من قدميه الضخمتين. ثم رمى الخناجر، ثم الملح. وعندما أدرك الغول أنه لن يستطيع اللحاق بهما، صرخ قائلاً: “سأعطيكم نصيحة أخيرة: إذا وجدتم طائرين يتشاجران، فلا تفرقوا بينهما!”.

واصلا طريقهما حتى وجدا طائرين يتصارعان بعنف. نسي ابن عمها نصيحة الغول، وبدافع من طيبة قلبه، تدخل ليفصل بينهما، فما كان من أحد الطائرين إلا أن ابتلعه وطار به بعيدًا. بقيت هاينة وحيدة مرة أخرى، تبكي بحرقة. في يأسها، رأت راعي أغنام، فقتلت كلبته ودخلت في جلدها، وتحولت إلى كلبة تركب حصان حبيبها. عندما رآها الراعي، أخذها معه واعتنى بها وبالحصان جيدًا.

كل ليلة، كان الطائر الذي ابتلع ابن عمها يأتي ويحوم حولها، ويسألها بصوت حزين: “ماذا تأكلين؟ وأين تنامين؟”، ثم يبدأ في النواح. سمع أحد رجال القبيلة هذا الحوار الغريب وأخبر الراعي. أمر الراعي زوجته أن تُطعم “الكلبة” من فتات الطعام وتجعلها تنام بين بناته. في تلك الليلة، عاد الطائر، وعندما علم أن “الكلبة” تأكل الفتات وتنام في دفء، فرح فرحًا شديدًا.

عندما سمع الراعي بذلك، استشار حكماء القبيلة، فنصحوه بأن يقيم وليمة كبيرة لكل الطيور، ويضع فيها طعامًا دسمًا. عندما تأكل الطيور، سيصبح الطائر الذي ابتلع الشاب ثقيلاً ولن يتمكن من الطيران. فعل الراعي ذلك، وبالفعل، أمسك بالطائر الثقيل وأمره أن يُخرج الشاب من جوفه كما كان، ففعل الطائر ذلك وعاد ابن عم هاينة إلى هيئته الطبيعية.

عاش الشاب مع الراعي الذي عامله كابنه، لكنه كان يطلب منه كل يوم طلبًا غريبًا: “زوجني بالكلبة”. كان الراعي يتعجب ويقول: “كيف أزوجك بكلبة وأنت إنسان؟”. لكن مع إصراره، وافق الراعي أخيرًا على تزويجهما. في صباح اليوم التالي للزفاف، أرسل الراعي زوجته لترى حال العروسين، فصُدمت عندما رأت مكان الكلبة فتاة أجمل من البدر، كانت هي هاينة وقد عادت إلى طبيعتها.

عمت الفرحة أرجاء المكان، وأقام الراعي والقبيلة احتفالاً كبيراً لهما. وعندما عاد هاينة وابن عمها إلى قبيلتهما الأصلية، أقام لهما أهلهما عرسًا أسطوريًا استمر سبعة أيام. ومنذ ذلك اليوم، لم يسمحوا لأي فتاة بالذهاب إلى الغابة لجمع الحطب بمفردها، وعاش الجميع في سعادة وأمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!