لماذا القدس؟ وما سر تهافت العالم على هذه المنطقة تحديدا؟

المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

تُعد القدس، أو أورشليم، مدينة فريدة في تاريخ البشرية، فهي ليست مجرد بقعة جغرافية، بل هي محور لاهتمام عالمي متواصل عبر آلاف السنين. يكمن سر هذا التهافت في عمقها التاريخي الذي يمتد لأكثر من خمسة آلاف عام، وفي مكانتها الدينية المحورية لدى الديانات الإبراهيمية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام. إن تاريخها المتشابك، الذي شهد صراعات وحضارات متعاقبة، جعلها نقطة جذب لا مثيل لها، ومصدر إلهام وتنافس في آن واحد. لفهم هذا اللغز، يجب الغوص في رحلة عبر الزمن، تتبع مسار هذه المدينة المقدسة منذ نشأتها الأولى وحتى يومنا هذا، مع التركيز على الأحداث المفصلية التي صاغت هويتها وجعلتها قبلة للأنظار.

بدأت حكاية القدس في العصور القديمة، حوالي 3500 قبل الميلاد، حيث تشير الاكتشافات الأثرية إلى وجود مستوطنات بشرية مبكرة بالقرب من نبع جيحون، مما يؤكد على قدمها كمركز حضري. وفي حوالي 2000 قبل الميلاد، ورد ذكرها لأول مرة في النصوص المصرية القديمة باسم “روساليموم”، مما يدل على أهميتها المبكرة في المنطقة. بحلول القرن السابع عشر قبل الميلاد، تطورت القدس لتصبح مدينة كنعانية محصنة، مزودة بأنظمة مياه متطورة، مما يبرز قيمتها الاستراتيجية وتطورها العمراني المبكر. خلال العصر البرونزي المتأخر، أصبحت القدس تابعة لمصر القديمة، كما وثقت رسائل تل العمارنة، مما يعكس أهميتها الجيوسياسية في الشرق الأدنى القديم.

شهدت الفترة الإسرائيلية، التي بدأت حوالي 1000 قبل الميلاد، تحولاً جذرياً في مكانة القدس. ففي هذا العام، غزا الملك داود القدس وجعلها عاصمة لمملكته الموحدة، مما رسخها كمركز سياسي وروحي محوري للشعب اليهودي. وبعد حوالي 40 عاماً، بنى ابنه سليمان الهيكل الأول، محولاً القدس إلى أقدس مدينة في اليهودية ومركزاً روحياً للإيمان اليهودي. هذا البناء جعل من جبل الهيكل نقطة محورية للعبادة اليهودية، مما عزز من أهميتها الدينية. وفي عام 586 قبل الميلاد، استولت الإمبراطورية البابلية الحديثة على القدس ودمرت الهيكل الأول، مما أدى إلى السبي البابلي للسكان اليهود. كان هذا الحدث نقطة تحول عميقة، حيث عزز من الشعور العميق بالحنين إلى القدس بين الشتات اليهودي، وعزز من أهميتها الرمزية كمركز للهوية اليهودية.

مع الفتح الفارسي لبابل عام 539 قبل الميلاد، سمح الملك الفارسي كورش الكبير لليهود بالعودة وإعادة بناء المدينة وهيكلهم الثاني. شهدت هذه الفترة إعادة تأسيس الحياة والممارسات الدينية اليهودية في القدس، مما عزز دورها كوطن روحي. وفي عام 332 قبل الميلاد، غزا الإسكندر الأكبر القدس، ووضعها تحت الحكم الهلنستي، مما أدى إلى تأثيرات ثقافية وسياسية يونانية متزايدة، وفترات من التوتر والاندماج. استعادت ثورة الحشمونيين في القرن الثاني قبل الميلاد الاستقلال اليهودي لفترة وجيزة، وكانت القدس عاصمة لدولة مستقلة، مما يدل على الرغبة الدائمة في الحكم الذاتي ودور المدينة المركزي في الهوية الوطنية اليهودية. وفي عام 63 قبل الميلاد، غزا بومبي القدس، وضمها إلى الإمبراطورية الرومانية، مما يمثل بداية فترة طويلة من السيطرة الرومانية، اتسمت بدرجات متفاوتة من الحكم الذاتي والقمع. وفي عام 37 قبل الميلاد، أعاد الملك هيرودس هيكلة الهيكل الثاني، وأضاف إليه جدراناً داعمة، مما عزز من روعته وأهميته. وفي حوالي 30 ميلادي، صُلب يسوع في القدس، مما جعلها مهد المسيحية، مع العديد من المواقع التي أصبحت مقدسة للمسيحيين في جميع أنحاء العالم، ولا سيما كنيسة القيامة.

شهد عام 70 ميلادي تدمير الرومان للهيكل الثاني خلال الحروب اليهودية الرومانية، مما أدى إلى تشتت أكبر للسكان اليهود، والأهمية الدائمة للحائط الغربي كمكان للصلاة والحداد. وفي الفترة من 132 إلى 136 ميلادي، أعيد تسمية القدس إلى “إيليا كابيتولينا” بعد ثورة بار كوخبا، وحظر على اليهود دخولها. تبرز هذه الفترة جهود الرومان لقمع الهوية اليهودية وتحويل المدينة إلى مستعمرة رومانية. اكتسبت القدس أهمية كبيرة كمركز للمسيحية خلال الإمبراطورية البيزنطية، خاصة بعد أن أيد قسطنطين الكبير بناء كنيسة القيامة. أصبحت الحج إلى القدس واسع الانتشار، مما عزز أهميتها للمسيحيين. وفي عام 638 ميلادي، غزا الخليفة الراشد عمر بن الخطاب القدس، وتحت الحكم الإسلامي المبكر، تم بناء قبة الصخرة والمسجد الأقصى، مما عزز من أهميتها الدينية في الإسلام. خلال الحروب الصليبية، تغيرت القدس أيديها عدة مرات، حيث استولى عليها الصليبيون عام 1099، واستعادها صلاح الدين عام 1187. وظلت تحت السيطرة الإسلامية خلال الفترات الأيوبية والمملوكية حتى أصبحت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية عام 1517.

في العصر الحديث، قسمت القدس بين إسرائيل والأردن بعد حرب عام 1948. استولت إسرائيل على القدس الشرقية خلال حرب الأيام الستة عام 1967، موحدة المدينة تحت السيطرة الإسرائيلية. لا يزال وضع القدس قضية خلافية للغاية، حيث يطالب كل من الإسرائيليين والفلسطينيين بها كعاصمة لهم. تاريخياً، غالباً ما يُفسر تاريخ المدينة من خلال عدسة الروايات الوطنية المتنافسة، حيث يركز الباحثون الإسرائيليون على الارتباط اليهودي، وتسلط الروايات الفلسطينية الضوء على أهميتها المتعددة الثقافات. في عام 1980، أعلنت إسرائيل القدس عاصمة لها، وهي خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي إلى حد كبير. وفي مايو 2017، قدمت حركة حماس وثيقة تقترح تشكيل دولة فلسطينية وعاصمتها القدس. اليوم، لا تزال التوترات عالية في المدينة وحولها. تدعم العديد من المجموعات والبلدان الدولية الجهود الرامية إلى تقسيم القدس إلى أقسام إسرائيلية وفلسطينية. ولكن، تأمين خطة يتفق عليها الجميع أمر صعب. بينما لا يزال مستقبل القدس غير مؤكد، فمن الواضح أن هذه المدينة تتمتع بقوة دينية وتاريخية وسياسية عظيمة، وستظل كذلك لسنوات قادمة. إن إدارة المواقع المقدسة المختلفة لا تزال معقدة، حيث تتولى كيانات دينية وسياسية مختلفة الإشراف عليها، مما يعكس التحديات المستمرة في تحقيق السلام والاستقرار في هذه المدينة التي لا تزال محط أنظار العالم بأسره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!