
المصطفى الجوي – موطني نيوز
لم يكن في حسبان أحد أن يدخل حفيد أشهر جاسوس إسرائيلي في التاريخ إلى قلب المشهد السوري ليس كخائن مكشوف، بل كلاعب رئيسي في معادلة القوة والدمار. فبينما كان السوريون يحتفظون بذكرى إعدام “إيلي كوهين” في ساحة المرجة عام 1965 كرمز لوطنية نظام الأسد، كانوا يجهلون أن التاريخ سيسجل فصلاً جديدًا من المهزلة ذاتها، لكن هذه المرة بأدوار معكوسة. فـ”أبو محمد الجولاني”، الذي كشفت تحليلات استخباراتية متطابقة عن هويته الحقيقية كـ”يوسف شاؤول كوهين”، لم يصل فقط إلى قمة التنظيمات الجهادية في سوريا، بل نجح في تنفيذ ما فشل جده فيه: جعل سوريا ساحة مفتوحة للتدمير الذاتي تحت إشراف إسرائيلي مباشر.

بدأت القصة من تل أبيب، حيث نشأ يوسف شاؤول في كنف عائلة تمجد “إيلي كوهين” ليس كجاسوس، بل كبطل قومي. وفي سن السابعة عشرة، تم اختياره للانضمام إلى برنامج سري تابع لجامعة تل أبيب يحمل اسم “الدراسات الإسلامية”، وهو مشروع مخابراتي محكم لتدريب عملاء متخفين في صورة دعاة وخطباء. هناك تلقى تدريبات مكثفة على خطاب إسلامي معدل، تقنيات التجسس المتقدم، تحليل الشخصيات، صناعة الانقسامات المذهبية، بل وحتى فنون التغرير بالجماهير عبر الخطابة العاطفية. كانت المهمة واضحة: اختراق العالم الإسلامي ليس بالسلاح فقط، بل بالعقل الجمعي لأبنائه.

بعد عقد من التدريب، أرسل إلى العراق عام 2003 ضمن الموجة الأولى لـ”المجاهدين” المزيفين الذين زرعتهم الاستخبارات الأمريكية في صفوف القاعدة. وبحلول 2011، كان قد اكتمل تشكيله كأداة جاهزة لأكبر مهمة: إعلان “جبهة النصرة” في سوريا، التي تحولت خلال عامين إلى الذراع الأكثر فتكًا وتنظيمًا في المشهد الثوري. لكن المفارقة أن هذا “النجاح” لم يكن سوى جزء من سيناريو مكتوب ببراعة. فبينما كان النظام السوري يتوهم أنه يواجه “إرهابًا حقيقيًا”، كانت إسرائيل تتابع باهتمام كيف يدمر هذا “التنظيم” كل مقومات الدولة السورية تحت شعارات جهادية زائفة.

الأكثر إثارة للصدمة أن أولى المهام الرسمية للجولاني بعد سيطرته كانت تسليم رفات جده “إيلي كوهين” وممتلكاته الشخصية إلى إسرائيل في عملية سرية، كإشارة واضحة على أن الحفيد قد أكمل المسيرة التي بدأها الجد. لكن هذه المرة، لم تكن الخيانة فردية، بل جماعية. فتحت قيادة الجولاني، سمح لإسرائيل بتدمير ترسانة الجيش السوري بالكامل من طائرات وصواريخ ورادارات دون أي رد فعل، في سيناريو يشبه “إعدام الجيش السوري” ببطء. حتى أن محللين إسرائيليين وصفوا تلك المرحلة بأنها “تحقيق حلم جولدا مائير: جعل العرب يدمرون أنفسهم بأيديهم”.

اليوم، بينما تستمر الأزمة السورية في حلقات مفرغة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: كم “يوسف كوهين” آخر يتخفى وراء لحى مزيفة وخطابات منبرية، ينتظر دوره في المسرحية الكبرى؟ القصة ليست عن رجل واحد، بل عن منهجية اختراق طوّعتها إسرائيل لتحويل أحفاد ضحاياها إلى أدوات لضرب أوطانهم. فهل كان “الجولاني” مجرد حلقة في سلسلة طويلة، أم أن النموذج السوري كان التجربة الأكثر قسوة لاختبار نظرية “الحكم بالوكالة”؟ التاريخ قد يحمل الإجابة، لكن الأكيد أن نبوءة مائير لم تكن مجرد كلمات، بل خطة عمل دقيقة تنفذ حتى الآن بدم بارد.