ما حقيقة التسريبات الأخيرة لقناة “جبروت” المثيرة للجدل؟!

المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في خضم الضجة الإعلامية التي أثارتها قناة “جبروت” بنشرها ما وصفته بتسريبات خطيرة تتعلق بشخصيات في أجهزة أمنية مغربية، تبرز أسئلة مهنية ملحة حول مصداقية هذه المعلومات والتداعيات المحتملة لها. هذه التسريبات التي تتضمن اتهامات بالثراء غير المشروع والتجسس الداخلي الذي طال شخصيات عسكرية سامية ورئيس الحكومة وعائلته وحتى على صاحب الجلالة الملك محمد السادس وعائلته، تفرض على الصحفي المحترف التوقف عند عدة نقاط منهجية وأخلاقية.

أول ما يستوقف المهني هو سند هذه المعلومات ودرجة مصداقيتها. في ظل انتشار الأخبار المغلوطة والحروب المعلوماتية، يصبح التحقق من صحة الوثائق المذكورة أمراً لا غنى عنه. هل اعتمدت القناة على مصادر متعددة ومستقلة؟ وهل هناك إمكانية للتحقق من هذه الادعاءات عبر قنوات موثوقة؟ فالصحافة الجادة تقتضي التثبت من كل معلومة قبل نشرها، خاصة عندما تتعلق باتهامات جسيمة تمس مؤسسات حساسة تصل إلى حد الخيانة العظمى.

ثم يأتي سؤال المسار القانوني المناسب لهذه القضية. الاتهامات المطروحة والوثائق المرفقة، إن صحت، تندرج ضمن اختصاصات هيئات رقابية وقضائية محددة. هل ستتحرك هذه الجهات لفتح تحقيق رسمي؟ وهل يمكن اعتبار هذه التسريبات أساساً كافياً لبدء إجراءات قضائية، أم أن الأمر يحتاج لأدلة مادية أكثر قوة؟ هنا تبرز أهمية الفصل بين الإعلام والقضاء، مع الحفاظ على حق المجتمع في المعرفة.

الجانب الأخلاقي يظل حجر الزاوية في التعامل مع مثل هذه القضايا. نشر تفاصيل شخصية وحسابات بنكية لأفراد، حتى لو كانوا موظفين عموميين، يمس بحقوق الخصوصية التي يكفلها القانون. أين يقع التوازن بين الحق في المعرفة وحماية البيانات الشخصية؟ وهل يمكن تبرير كسر كل القواعد الأخلاقية تحت ذريعة كشف الفساد؟ هذه معضلة أخلاقية تحتاج إلى حكمة مهنية عالية، مع فتح تحقيق في كل التسريبات للتأكد منها وبراءة المعني منها أو إدانته.

ولا يمكن فهم هذه القضية بمعزل عن سياقها السياسي والأمني. التوقيت الذي اختير لنشر هذه المعلومات، والجهات المستهدفة بها، يثير تساؤلات عن الأجندات الخفية خاصة وانها ليست الاولى ولن تكون الاخيرة لكن تبقى هذه أخطرها. هل نحن أمام محاولة إصلاح حقيقية، أم أن الأمر يتعلق بصراع نفوذ داخلي وتصفية حسابات أو حتى تدخلات خارجية؟ التاريخ يعلمنا أن مثل هذه التسريبات غالباً ما تكون جزءاً من معارك أكبر قادمة.

وحتى لا نستبق الأحداث و التحقيقات، تبقى الحقيقة هي الضحية الأولى في غياب التحقيقات الجادة. المطلوب ليس التسرع في إصدار الأحكام، بل المطالبة بتحقيق شفاف ونزيه يحفظ حقوق جميع الأطراف. فإما أن تثبت هذه الاتهامات وتتم محاسبة المسؤولين وكل المتورطين، وإما أن تثبت زيفها وتتم حماية سمعة المتهمين. هذا هو المنهج المهني الذي يحفظ حقوق الجميع ويخدم المصلحة العامة في آن واحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!