
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في خضم صمت مطبق وتجاهل مريب، يتحول المغرب شيئًا فشيئًا إلى محطة استقرار قسرية لموجات بشرية قادمة من عمق القارة السمراء. لم يعد الأمر مجرد “عبور” عابر نحو الضفة الأخرى، بل أصبح واقعًا مريرًا يفرض نفسه على النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد، ويثير تساؤلات حارقة حول الأسباب الحقيقية وراء هذا التدفق غير المسبوق. فما الذي دفع هؤلاء الأفارقة إلى القدوم إلى المغرب؟ ومن يقف وراء هذا الزحف البشري المنظم، الذي يبدو وكأنه جزء من مخطط أكبر لا يدركه الشعب المغربي؟
إن الإجابة السطحية التي تقدمها الرواية الرسمية تتحدث عن “الظروف الاقتصادية الصعبة” و”الصراعات الإقليمية” في بلدان المنشأ، وعن “فشل محاولات الوصول إلى أوروبا” كسبب رئيسي لاستقرار هؤلاء المهاجرين في المغرب. لكن هذه الإجابات لا تلامس جوهر القضية، ولا تفسر السر وراء هذا التواجد الكثيف، الذي يتجاوز بكثير مجرد “العبور العرضي”. فهل تحول المغرب بقدرة قادر إلى جنة اقتصادية تجذب الآلاف، أم أن هناك أيادي خفية تدفع بهذه الجموع نحو المملكة، في سيناريو أقرب إلى “التهجير القسري” منه إلى “الهجرة الطوعية”؟
تتوالى الأسئلة المحورية لتصطدم بواقع الحدود المغربية، التي تبدو وكأنها قد فقدت حصانتها تمامًا. فمن أين دخل هؤلاء الأفارقة؟ وكيف تمكنوا من اختراق ما يفترض أنها حدود مؤمنة؟ هل أصبحت الحدود المغربية مخترقة إلى هذا الحد حتى أضحت بوابة لكل الأفارقة، بلا حسيب ولا رقيب؟ إن الحديث عن تفكيك شبكات تهريب المهاجرين، ومنع آلاف المحاولات، لا يتناسب مع حجم الظاهرة المتفاقمة على الأرض. فإذا كانت السلطات المغربية، ممثلة في وزارتي الداخلية والأمن، تقوم بواجبها على أكمل وجه، فلماذا يتزايد عدد المهاجرين الأفارقة في المدن المغربية بشكل لافت، ولماذا تتوالى الأنباء عن محاولات اختراق السياج الحدودي، التي غالبًا ما تنتهي بمآسٍ إنسانية؟
إن هذا التناقض الصارخ بين الرواية الرسمية والواقع المعاش يثير الشكوك حول مدى جدية التعامل مع ملف الهجرة. فهل هناك تغاضٍ متعمد عن هذا الاختراق، أم أن الأمر يتجاوز مجرد الإهمال ليصبح جزءًا من سياسة خفية؟ ولعل السؤال الأكثر إيلامًا الذي يتردد على ألسنة المغاربة هو، ما سر تغاضي السلطات الأمنية عن كل الجرائم والاعتداءات التي يقومون بها يوميًا على المغاربة؟ فبينما تتصاعد الشكاوى الشعبية من حوادث السرقة والاعتداء والعنف، يبدو أن هناك صمتًا مريبًا من الجهات المسؤولة، وكأن حياة المواطن المغربي أصبحت رخيصة في معادلة معقدة لا يفهمها إلا من يديرون خيوط اللعبة. هل يعقل أن تتحول مدننا إلى ساحات مفتوحة لانتشار الإجرام، وأن يرى المواطن المغربي نفسه مهددًا في عقر داره، دون أن يجد حماية كافية من سلطاته الأمنية التي لم تعد قادرة على حماية نفسها؟ فالمغاربة كلهم شاهدوا كيف جاهم أحد الأفارقة مركز الشرطة بالحجارة في سابقة من نوعها!!!
إن هذا التراخي الملحوظ في التعامل مع الظاهرة، وهذا الصمت المطبق على الجرائم المرتكبة، يدفع الكثيرين إلى التساؤل، أليس هذا احتلالاً بشكل آخر؟ احتلال صامت، زاحف، يغير التركيبة الديموغرافية للمجتمع، ويثقل كاهل الدولة بمصاريف إضافية، ويهدد الأمن الاجتماعي. إن المخاوف من حدوث تغيير ديموغرافي، وخلق أقليات قد تستغل لتفكيك البلد مستقبلاً، لم تعد مجرد هواجس، بل أصبحت سيناريوهات محتملة في ظل هذا الوضع الغامض. فهل نحن أمام سياسة هجرة “إنسانية” كما تدعي الرواية الرسمية، أم أننا أمام “توطين قسري” يخدم أجندات خفية، لا يعلم عنها الشعب المغربي شيئًا؟
يبدو أن هناك شيئًا يُطبخ في الخفاء، والشعب المغربي آخر من يعلم. فبينما تتحدث الحكومة عن استراتيجية وطنية للهجرة واللجوء، تهدف إلى الإدماج وتكافح التهريب، يرى المواطن العادي تزايدًا في أعداد المهاجرين، وتفاقمًا في المشاكل الاجتماعية والأمنية. هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش يغذي نظرية المؤامرة، ويجعل المواطن المغربي يشعر بأنه ضحية لصفقات تُعقد خلف الأبواب المغلقة، وأن مصيره ومستقبل بلاده يُحددان دون علمه أو رضاه. إن غياب الشفافية، والتعتيم على الحقائق، يزيد من حدة التوتر الشعبي، ويفتح الباب أمام كل التكهنات، حتى تلك التي تبدو بعيدة عن المنطق. فهل يعقل أن يكون مصير الدولة المغربية رهينًا لسياسات غامضة، تُنفذ تحت غطاء “الإنسانية”، بينما تداعياتها السلبية تضرب في عمق المجتمع؟