عاجل : رحيل قنديل الهدى..الشيخ جمال الدين البودشيشي يُسلم روحه إلى بارئها بعد مسيرة زكّت الأرواح وربّت الأجيال

الشيخ جمال الدين البودشيشي رحمه الله

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في لحظةٍ أطبقت فيها أنفاسُ الحزنِ على قلوب المريدين والمحبين، انتقل إلى جوار ربه العالمُ الرباني، والقطبُ الصوفي، الشيخ مولاي جمال الدين القادري بودشيش، شيخ الزاوية القادرية البودشيشية، الذي أسلم روحه الطاهرة زوال يوم الجمعة 8 غشت 2025، بعد عمرٍ مديد قضاه في تزكية النفوس، وترسيخ معاني التصوف السني، وتجديد رسالة الزوايا في الربط بين الأصالة والحداثة.

لم يكن رحيل الشيخ مجرد فقدان لرجل دين، بل هو خسارةٌ لواحدٍ من أعمدة التربية الروحية في المغرب المعاصر، الذي حمل مشعل الهداية بعد والده الشيخ سيدي حمزة القادري بودشيش، فكان خليفةً روحيًا أمينًا، ومربيًا حكيمًا، عرفته الأوساط العلمية والصوفية بعلمه الغزير، وتواضعه الجم، وورعه الذي قلّ نظيره. فمن قرية مداغ بإقليم بركان، حيث ولد سنة 1942، إلى كراسي العلم في فاس والرباط، ثم إلى سدة المشيخة الروحية، سلك الشيخ مسلكًا جمع بين التأصيل الشرعي والإشراق الروحي، فحصل على دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإسلامية من دار الحديث الحسنية، وأثمرت جهوده الأكاديمية أطروحةً علميةً رصينةً بعنوان “مؤسسة الزاوية في المغرب بين الأصالة والمعاصرة”، كأنما كان يؤسس فيها لمنهجه الذي جمع بين ثراء التراث وضرورات العصر.

عُرف عنه الزهد في الأضواء، والتفرغ لتربية المريدين، فكان كوالده – رحمه الله – نجمةً تهتدي بها القلوب الظمأى إلى محبة الله، لا يظهر إلا في المواسم الروحية العظيمة، كذكرى المولد النبوي، حيث تفيض أنوارُه على الحاضرين، فيذكرهم بسنّة الحبيب المصطفى، ويذكّيهم بسلوك أهل التصوف القائم على الإخلاص والتجرد. وقبل أن يُختَم له بالخير، أعلن الشيخ في يناير 2025 – خلال الذكرى الثامنة لوفاة والده – وصيته الروحية بتسليم الأمانة لابنه الدكتور مولاي منير القادري بودشيش، مؤكدًا على التمسك بكتاب الله وسنة رسوله، وتعظيم الرابطة الروحية، والولاء لإمارة المؤمنين، كمنهجٍ ثابتٍ في مسيرة الطريقة البودشيشية.

لقد كان الشيخ جمال الدين – رحمه الله – جسرًا بين العوالم، فجمع بين عمق العالِم، وشفافية الولي، وحكمة المربي، فوسّع إشعاع الزاوية إلى آفاقٍ دولية، وجعل منها منارةً لفهم التصوف السني القائم على المحبة والتسامح. واليوم، إذ يُغمض المغرب عينيه عن أحد أبرز أعلامه، فإنه يفتحهما على إرثٍ روحيٍ هائل، ومسيرةٍ لن تتوقف، لأن رجالًا مثل الشيخ جمال الدين لا يرحلون بجسدهم، بل يبقون بأسرارهم، وأخلاقهم، وتلك الأنوار التي أضاءت الدروب لآلاف السالكين.

إنا لله وإنا إليه راجعون.. فقدنا الجسد، ولكن الروح باقيةٌ في الوجدان، والعلمُ مُتوارثٌ بين الأكفّاء، والمحبةُ الإلهيةُ ستظلُّ شمسًا لا تغيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!