
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في منعطفٍ قانونيٍ بارز، أصدرت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء أحكاماً قضائيةً إبتدائيا في قضية الفساد المالي المعروفة إعلامياً بـ”قضية النظافة”، والتي هزّت الرأي العام المغربي لسنوات، وارتبطت بتدبير الصفقات العمومية داخل جماعة بوزنيقة. جاءت هذه الأحكام، التي وُصفت بالقاسية، لتؤكد على حزم القضاء المغربي في مواجهة تبديد المال العام، وتُرسي سابقةً قضائيةً في مسار محاربة الفساد بشقيه المالي والإداري.
فقد قضت المحكمة بسجن عبد العزيز البدراوي ست سنوات نافذة، بعد إسقاط تهمة التزوير في المحررات التجارية، مع إدانته في باقي التهم المنسوبة إليه. أما محمد كريمين، فحكم عليه بسبع سنوات سجناً نافذاً، بعد إسقاط تهمة المشاركة في التزوير أيضاً، بينما تلقى المهندس الطنجي حكماً بأربع سنوات حبساً نافذاً. كما ألزمت المحكمة جميع المتهمين بتغطية مصاريف الدعوى، في خطوةٍ تُجسّد مبدأ المساءلة القانونية الكاملة.
ولم تقتصر الأحكام على الجانب الجنائي، بل امتدت إلى الجانب المدني، حيث قضت المحكمة بقبول المطالب المدنية المقدمة من طرف جماعة بوزنيقة والدولة المغربية، مما يمهد الطريق لتعويض الأضرار الناجمة عن هذه القضية. كما أمرت بإجراء خبرة تقنية تحت إشراف الخبير عبد الرحمان أوملي، بتكلفةٍ قدرها 45 ألف درهم، في خطوةٍ تهدف إلى تحديد حجم الخسائر المالية بدقةٍ وشفافية.
أما الصدمة الكبرى للمتهمين، فتمثلت في القرار الحاسم بمصادرة مبلغ مليار سنتيم (10 ملايين درهم) من كل واحد منهم، وهو إجراءٌ يهدف إلى استرداد جزءٍ من الأموال العامة المُهدرة، ويُرسل رسالةً قويةً مفادها أن العبث بثروات البلاد لن يمر دون عقاب. ومع ذلك، حافظت المحكمة على حق المتهمين في استئناف الأحكام خلال عشرة أيام، تماشياً مع ضمانات المحاكمة العادلة.
وعليه، تُشكل هذه الأحكام علامةً فارقةً في مسار محاربة الفساد بالمغرب، حيث تُؤكد أن زمن الإفلات من العقاب ولى، وأن المؤسسات القضائية جادةٌ في حماية المال العام. كما تُعتبر هذه القضية اختباراً حقيقياً لمدى فعالية الآليات القانونية في مواجهة الفساد، وتعزيز الشفافية في تدبير الصفقات العمومية. فهل يكون هذا الحكم بدايةً لمرحلةٍ جديدةٍ من المراقبة والمحاسبة، أم أنه مجرد حلقةٍ في سلسلةٍ طويلةٍ من معارك مكافحة الفساد؟ الوقت وحده كفيلٌ بالإجابة.