
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في زمن أصبح فيه التطبيل والتهليل مهنة مربحة لبعض الأقلام التي يعرف الكل خط تحريرها، وحيث يتسابقوا لتلميع صورة كل قادم جديد قبل أن تطأ قدماه الأرض، تعود مدينة بنسليمان مرة أخرى لتكون مسرحاً لفصل جديد من فصول الفساد المؤسسي والمحسوبية المقيتة. هذه المرة، البطل هو شركة “أفيردا” التي لم تصل بعد، والجوقة هي نفس الأقلام التي اعتادت على الغناء لكل من يحمل وعوداً أو يلوح بعقود، تماماً كما حدث مع تنصيب العامل الجديد وقبله مع رجال السلطة الآخرين، لأن هذا السبق في التطبيل يجري في دماء البعض كما يقولون “الله يعفو”.
لكن ما لم تكن تتوقعه هذه الأقلام (…) أن يأتي من يفتح أعين الشركة الوافدة على حقيقة ما ينتظرها في هذه المدينة التي باتت مضرب الأمثال في الفساد وابتزاز المستثمرين وكل الاختلالات والتجاوزات. فبدلاً من الترحيب الكاذب والوعود الفارغة، كان من الأجدر أن يُقال للشركة الحقيقة كاملة عن الممارسات المخلة التي تنتظرها، وعن شبكة المصالح المتشابكة التي تحكم هذه المدينة المنكوبة.
في مقدمة هذه الممارسات المشبوهة، يأتي دس مجموعة من الأسماء التي لا علاقة لها بالعمل في قطاع النظافة، أسماء تم إقحامها بتواطؤ مفضوح مع جهات معروفة. وعلى رأس هذه الجهات، نجد من كان مديراً لاستغلالية أوزون الشاوية، ذلك الذي سبق واشتغل في أفيردا نفسها، مما يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذه العلاقات وحقيقة الأهداف من وراء هذا التواطؤ المكشوف. خاصة بعد تعينه لنائبه وهو يعلم من يكون، ومن هي الجهة التي فرضته عليه؟ ولماذا؟
وإلى جانب هذا المدير السابق، يقف “منشار البلدية” معالي رئيس الجماعة، ذلك الذي حول المدينة إلى مزرعة خاصة يحصد منها ما يشاء ويزرع فيها من يريد. هذا الرجل الذي أصبح اسمه مرادفاً للفساد في أذهان سكان بنسليمان (11 سنة من الكذب و النفاق و الاخفاقات)، والذي يبدو أنه لن يترك شركة أفيردا تعمل وفق دفتر التحملات كما يجب، بل سيحاول جاهداً أن يفرض عليها منطقه الخاص في التعامل مع الأمور. خاصة عند كل أداء وما يترتب عليه “لخبار في راسكم” والانتخابات على الأبواب.
إن ما يحدث في بنسليمان ليس مجرد فساد عادي، بل هو نظام متكامل من الابتزاز والمحسوبية يبدأ من أعلى الهرم وينتهي في أدنى مستوياته. فالمدينة والجماعة باتتا فعلاً مضرب الأمثال في الفساد وابتزاز المستثمرين، حيث لا يمكن لأي مشروع أن يرى النور دون أن يمر عبر شبكة المصالح هذه، ودون أن يدفع الثمن المطلوب لأصحاب النفوذ.
في هذا السياق المظلم، تأتي مسؤولية السيد العامل الحسين بوكوطة كشعاع أمل وحيد في هذا النفق المظلم. فعليه أن يكون حريصاً كل الحرص على حماية شركة أفيردا من براثن هؤلاء المسؤولين الفاسدين، وعلى رأسهم “منشار البلدية” الذي لا يتورع عن استغلال منصبه لتحقيق مكاسب شخصية على حساب المصلحة العامة. العامل الجديد مطالب بأن يضع حداً لهذا العبث، وأن يحمي الاستثمار من جشع هؤلاء المنتفعين، وهذه هي الرسالة والأمانة التي قاده بها صاحب الجلالة.
أما بالنسبة لأولئك الذين يستبقون الأحداث بتلميع صورة شركة لا يعرفونها حق المعرفة، ويتحدثون عن دفتر تحملاتها دون أن تكون لديهم نسخة منه أو معرفة حقيقية بمحتوياته وهم على يقين أن دفاتر التحملات في المغرب من الأسرار التي لا يجب أن تطلع عليها الصحافة و لا حتى العامة، فهؤلاء إنما يقومون بعمل مجانب للصواب تماماً. أو إنهم يمارسون نوعاً من التضليل المقصود، سواء كان ذلك عن جهل أو عن قصد، بمقابل أو مجاني والنتيجة واحدة في كلا الحالتين، خدمة أجندات خفية على حساب الحقيقة والمصلحة العامة.
لكن الأسئلة الحقيقية التي تحتاج إلى إجابات واضحة وصريحة تبقى معلقة في الهواء، وعلى رأسها السؤال الموجه إلى “منشار البلدية” حول مصير الـ 160 مليون درهم التي سُجلت في محضر رسمي كعقوبات واقتطاعات من شركة أوزون لإصلاح الآليات المتهالكة التي كان من المفترض أن تتسلمها الجماعة. أين ذهبت هذه الأموال؟ وما هو المصير الحقيقي لها؟ وهل ستقتطعها الجماعة ام أنّ للرئيس “تخريجة” خاصة؟!
وهناك أيضاً سؤال آخر لا يقل أهمية، هل توصلت الجماعة فعلاً بكل الشاحنات المطلوبة؟ وكم عددها بالضبط؟ هذه أسئلة مشروعة تستحق إجابات واضحة، خاصة وأن هناك معلومات موثقة تشير إلى وجود مجموعة من الشاحنات مخبأة في أماكن معروفة، مع توفر صور لهذه الآليات تثبت صحة هذه المزاعم.
إن ما يحدث في بنسليمان يكشف عن حقيقة مرة، وهي أن الفساد أصبح نظاماً متجذراً في بعض المؤسسات المحلية، نظاماً يحمي نفسه بشبكة من المصالح المتبادلة والولاءات المشتراة. وفي هذا النظام، تصبح الشركات الاستثمارية مجرد بقرة حلوب، والمشاريع التنموية مجرد فرص للإثراء السريع على حساب المواطنين والخدمة العامة.
لذلك، فإن الدعوة موجهة بوضوح إلى كل من له ضمير حي ومسؤولية وطنية، سواء كان في موقع السلطة أو في موقع المراقبة والمتابعة، أن يقف بحزم ضد هذا النهج المدمر وهذا التهريج السياسي والنهب الممنهج. فالمطلوب ليس فقط حماية شركة أفيردا من الابتزاز والفساد، بل حماية المدينة كلها من هذا السرطان الذي ينخر في جسدها ويهدد مستقبلها.
إن الوقت قد حان لوضع حد لهذا العبث، ولمحاسبة كل من تورط في هذه الممارسات المخلة. الوقت قد حان لاستعادة الثقة في المؤسسات المحلية، ولضمان أن تعمل هذه المؤسسات لخدمة المواطن وليس لخدمة جيوب المسؤولين الفاسدين. وإذا لم يحدث ذلك، فإن مدينة بنسليمان ستبقى مثالاً سيئاً على كيف يمكن للفساد أن يدمر مدينة بأكملها ويحول أحلام سكانها إلى كوابيس لا تنتهي.
أقول، تبقى الحقيقة هي السلاح الوحيد في مواجهة هذا الفساد المستشري في المدينة و الإقليم، والكلمة الصادقة هي الأداة الوحيدة لفضح هؤلاء المنتفعين الفاسدين. وما دام هناك من يملك الشجاعة لقول الحقيقة، ومن يملك الوثائق والأدلة التي تفضح هذا الفساد، فإن الأمل يبقى قائماً في أن تشهد بنسليمان يوماً جديداً، يوماً تعود فيه المؤسسات لخدمة الشعب، وتعود فيه الشركات للعمل وفق القانون، بعيداً عن شبكات الفساد والمحسوبية التي تخنق كل محاولة للتقدم والتطوير.
وهذا هو خطاب السيد العامل الجديد فهل سيستمر فيه؟ أم سيكون التيار أقوى منه ويسلم له؟!.