
د. عزيز زروقي – موطني نيوز
نشأت الرواية الغربية في مطلع القرن التاسع عشر، وذلك زمن انهيار (نابليون بونابرت) Napoléon Ier على يد الكاتب الاسكتلندي (والتر سكوت) Walter Scott [1771 ـ 1832م]. إذ ظهرت رواية (سكوت ويفرلي) Waverley عام 1814م. نطلق على (سكوت) رائد القصة التاريخية إلا أن هذه التسمية قد تدعو إلى اللّبس ما لم نفحصها جيدا، فقصته الأولى “وايفرلى” Waverly التي كتبها في 1814م تعالج ثورة “اليعاقبة” التي قامت سنة 1745م، وإن كانت “وايفرلى” قصة تاريخية بمعنى من المعاني، إلا أن (سكوت) جمع مادتها من ذكريات الأحياء الذين قابلهم بنفسه بُمرتفعات اسكتلندا، وهذا العنصر الاستكتلندي مع عنصر “اليعاقبة”، الذين كانت حركتهم آخر حركة في أوروبا يرجع أساسها إلى العصور الوسطى، هذان العنصران يكونان الموضوع الرئيسي لقصته المذكورة وفيهما يتجلى خير ما يمتاز به عمله الأدبي، وهو يعاود التعرض لهما في معظم الأحوال كما في (جاي مانرينج) Guy Mannering The Antiquary [1816م، و] Old Mortality [في 1816م، و] The Heart of Midltian [في 1818 م، و] Rob Roy [في 1818م، ومن الصعب بهذه القصص أن نفرق بين ما يفتعله الخيال، وبين ما تقدمه الذاكرة من حقائق، فكلاهما يخدم هدفه من ناحية الابتكار الفني بدرجة متساوية.
كما أن سلسلة الحوادث الرئيسية في القصة تستند إلى شعور إنساني قوي لتصور فكاهي في أغلب الأحوال للشخصيات الاسكتلندية التي تنتمي إلى الطبقات الدنيا، وعندما يتخلى (سكوت) عن معالجة استكلندا التي يعرفها تمام المعرفة إلى تناول العصور الوسطى، فإنه يفقد كثيرا من قوته فقصة (ايفانهو) **Ivanhoe** سنة 1820[م، و(الطلسم)] **Talisman** [سنة 1825م،] اللتان تتعرضان لتاريخ الحروب الصليبية تعدان من أكثر قصصه ذيوعا عند القراء… وليس من القصاصين إذا استثنينا (ديكتز) الذي أمتع القارئ على نطاق واسع كما فعل (سكوت). وعلى الرغم من أن معرفتنا بالماضي قد ازدادت عن أيام (سكوت) إلا أن الأخطاء التاريخية التي تورط فيها وهو يصور الأشخاص لا تحول بين القارئ وبين الاستمتاع بالقصة، اللهم إلا إذا كان القارئ متخصصا. ولكن ما أهلّ القرن التاسع عشر حتى تغيرت النظرة إلى بناء القصة وعمقها، وهذا هو الذي جنى على مكانته كقصاص، ولقد تبعه في كتابة القصة التاريخية عدد لا يحصى، منهم (بالورليتون) Bulwar Lytton[، و(دكنز)] Dicken[، و(ثا كارى)] Thackeray[، و(ريد)] Reade[، و (جورج اليوت)] George Eliot. ولم يقتصر تأثيره الفني على إنجلترا وحدها، بل تعداه إلى فرنسا وروسيا وأمريكا عبر الأطلنطي، حيث وجد عشاقا لفنه ومعجبين به.
كما نعتبر (هيرودتس) أبا للتاريخ، نعتبر (ولتر سكوت) أبا للقصة التاريخية وكانت محاولته الأولى قصة ” ويفرلي” التي نشرها سنة 1814م. وكانت موضوعاته في الأكثر، مستمدة من البيئة الإسكتلندية. وقد انتقد المؤرخون موقفه من الحقائق التاريخية، وقالوا أنه كان يعبث بالتاريخ ويحوره في سبيل القصة. فقد عبث باللغة مثلا، ولم يتقيد بواقعها التاريخي، كما غير التسلسل الزمني للحوادث، ولم يحافظ على الأجواء والبيئات التاريخية. والحقيقة أن (سكوت) لم يدع ذلك، بل أنه كان من الناحية النظرية ينادي بعدم التقيد بالتاريخ البتة، وخاصة إذا وقف حجر عثرة في سبيل ظهور القصة، في إطار فني حر طليق. وهذه النظرية ” نظرية الحرية القصصية” التي بشر بها (سكوت). حيث لاقت إقبالا كبيرا في نفس الكاتب الفرنسي (الكسندر دوماس الأب) 1802 ـ 1870م] Alexandre Dumas[، الذي اعتنقها وأخلص لها وطبقها في قصصه بحرية وتوسع، وقصته الأولى ” الفرسان الثلاثة” التي توضح اتجاهه خير توضيح. فهي تدور حول وقائع 1628م في فرنسا، حين كان (لويس الثالث عشر)] Louis XIII [ يقتعد عرش فرنسا، و(شارل الأول) على عرش إنجلترا. فإذا كان (ريشيلو) هو الحاكم بأمره في فرنسا وكان (بكنغهام) صنوا له في إنكلترا. والصورة التاريخية التي قدمها لنا (دوماس) تنضح بالحياة، وفيها الوصف الرائع المتدفق، والمشاهد التي تكاد تنزو حيوية ونشاطا، ومن حول ذلك كله، صورة حقيقية للبيئة والعصر، بما فيها من عادات وأخلاق وفروسية ومطاردات ومبارزات. إلا أننا بعد هذا كلّه لا نجد التفات إلى الحقيقة التاريخية. وقد ظهر في عهد (دوماس)، وبعد وفاته عدد كبير من الروايات التاريخية، أنكتفي بذكر ثلاثة منها؛ لأنها تمثل الأنواع المختلفة خير تمثيل، وهي “أيام بمبي الأخيرة” (لبلور ليتون)، و”الأميرة المصرية” (لجورج إيبريس)، و”هنري أزموند” (لثكري). ويمكننا أن نقسم الأطوار التي مرت بها القصة التاريخية حتى أواخر القرن التاسع عشر إلى ثلاثة:
ـ طور الإيحاء التاريخي: أي تفسير التاريخ من الخارج، من خلال الحملات والمخاطرات والمبارزات والأسلحة والملابس، والملابس الطبيعية الفذة، من بحيرات وجزر وجبال … وخير دليل على ذلك قصص (سكوت) وتلميذه المخلص (دوكلاس).
ـ طور التفسير العقلي: ويمثله (ليتون وإيبريس).
ـ طور التفسير الإنساني العاطفي: أي تفسير التاريخ من الداخل، من خلال العواطف الإنسانية الخالدة، واستمرارها عبر العصور، وخير من مثل هذا الطور (ثكري). يفسر الحوادث الهامة في التاريخ تفسيرا خياليا، بحيث لا يجافي الحقائق، ولا يتغاض عن العواطف والمثل الإنسانية.
سلك الروائي الفرنسي (فيكتور هيجو) Victor Hugo[، نفس الاتجاه الذي سلكه (الكسندر دوماس)، وألف في هذا الصدد روايتين تاريخيتين بينهما حوالي أربعين سنة هما: (نوتردام دو باري)] Notre-Dame de Paris [سنة 1831م، و] Quatrevingt-treize [سنة 1873م. ومن هذين الأديبين انتقل هذا اللون الروائي التاريخي إلى سائر الآداب العالمية الأخرى، ففي الأدب الروسي نجد (ليوتولستوي)] Leo Tolstoy [سنة] [1828 ـ 1910م، الذي ألف روايته: “الحرب والسلام” التي تعد أعظم الروايات التاريخية، وذلك من منظور امتصاصها واستثمارها لكثير من الصيغ والأنماط والتقنيات الفنية التراثية بوصفها إمكانات لزحزحة تمركز الشكل الغربي.
ومن هنا يمكن إنجاز قراءة مغايرة للرواية. بعيدا عن التقسيم الثقافي المتقابل والمتناقض. حيث يعيد الروائي في استلهامه للتاريخ ترتيب الأشياء وتوزيع الأدوار كما يريد، تأصيلا لرؤيته التي يقيم بناءها في معماره الروائي الجديد.
اختلفت آراء النقاد المحدثين في جذور الرواية التاريخية العربية، وانقسموا في هذا الإطار إلى ثلاثة اتجاهات : من يرى أن القصة التاريخية ” مستحدث في أدبنا نقلناه نقلا عن الآداب الغربية ضمن ما نقلنا من صور الحضارة والفن من مطلع حركتنا الفكرية عن طريق الترجمة حينا، وعن طريق المحاكاة والتقليد بعد ذلك “. واتجاه ثاني، يقرر بأن القصة التاريخية الحديثة لم تكن امتدادا للقصة التاريخية القديمة كقصة “عنترة” و”السيرة الهلالية” وسيرة “الأميرة ذات الهمة” و”سيرة الظاهر بيبرس” وغيرها، واتجاه ثالث يصرح بأنه فقد زال هذا النوع من الأدب الذي كان صدى للبيئة التي وجد فيها، وما هو إلا فرع من فروع الثقافة التي جاءتنا عن الغرب في النهضة الحديثة.
والواقع أن هناك ملاحظتين هامتين تستثيران الانتباه في هذا الحقل: الأولى هي أن الإنتاج الروائي العربي المعاصر يصل إلى درجة من الأصالة تجعل من المذهل أن يكون هذا الفن وليد عشرات السنين فحسب، كما تجعل من المتعذر على التفكير العلمي أن يقبل ما يردده الكثيرون من أن هذا الفن مستحدث في أدبنا العربي لا جذور له، نقلناه مع ما نقلنا من صور الحضارة الغربية، وقلدناه محاكين ما نقلناه، ثم بدأنا ننتج بعده ألوانا متفردة من هذا الفن الجديد على أدبنا. إذ ليس من المعقول في تاريخ أي لون من ألوان الأدب أن يصل إلى ما وصل إليه فن الرواية عندنا من تقدم … والملاحظة الثانية: هي أن كل دراسة تتناول الرواية إنما تعمد في تسليم مطلق إلى البحث عن قواعد وأصول في اتجاهات الرواية في الآداب العالمية من حولنا، وقد أدى هذا إلى نوع من الاضطراب في القيم والمقاييس، وقد يكون هذا التعدد في حد ذاته مفيدا لو كان ينبع من أصول عميقة لها علاقة بتراثنا وفننا، وهاتان الملحوظتان تحتمان دراسة فن الرواية العربية دراسة جديدة، تحاول أن تجيب على هذا السؤال: أليست هناك جذور أعمق من النقل والترجمة للرواية العربية التاريخية؟
لا أحد يستطيع أن ينكر أن للعرب إرثهم القصصي الشعبي كالسير والتخيلات القصصية والشعبية والقصص الشعري، وطبيعة الشعوب أن بعضها يفيد من بعض، فالأوروبيون مثلا في العصر الحديث أفادوا من قصص “ألف ليلة وليلة” ووظفوها في أعمالهم القصصية، وأنتجوا فنا متقدما من الأدب تجاوز المنثور إلى الممثل والمرئي، فالحال نفسه عند العرب الذين أفادوا من الخطوات الأوروبية في الرواية الحديثة، فنسجوا على منوالها أدبا جديدا يحاكي الأدب الأوروبي عرف باسم (الرواية التاريخية العربية).
إن تشخيص أشكال توظيف وتمثل التاريخ في الرواية، ينطلق من مقولة أساسية ترى أن الإبداع المحلي قادر على مقاومة الهيمنة الأدبية، وتنسيب السرديات المتمركزة، وكذا خلخلة التصنيفات الأجناسية وكسر المقاييس الشعرية المعيارية. ذلك أن إنتاج الأدب مقترن بالسياق الثقافي، إذ لا وجود لأدبية وحيدة تتجاوز الشروط المكانية والزمنية. “ومن هنا تاق الكثير من الكتاب العرب الانزياح عن الشكل الروائي المعهود، وذلك من خلال تشييد مساحة فنية جديدة تمكن من زحزحة حركة الحداثة الأوربية الساعية إلى دمج الثقافات كافة فيما تزعمه (بالجمالية العالمية)، الشيء الذي يدعو إلى إنجاز قراءة قادرة على استكشاف مظاهر الاستفادة من التقنية الروائية الغربية، وكذا صيغ تحويرها وتبيئتها، وتهجينها باستراتيجيات نصية محلية.
لقد أحصى الدكتور **شلش** في كتابه نشأة “النقد الروائي” في الأدب العربي الحديث ما يقرب عن 250 رواية عربية مؤلفة بين عام 1870 و1914م، ولو تأملنا هذه الروايات سواء في عناوينها أو في موضوعاتها ليتبين لنا أن أغلبها كانت تستلهم التراث الأدبي العربي القديم في بعض أبنيته التعبيرية، كالمقامة كما هو الشأن عند **علي مبارك** و**الموليحي** و**حافظ إبراهيم.** بل تستطيع أن تعود إلى ما قبل هذا التاريخ في المقامة التي كتبها **حسن العطار،** ولا شك أننا نتحدث عن هذه التعابير الأدبية بشكل مجازي عندما نطلق عليها اسم الرواية، ولقد كانت في الحقيقة تغييرات عن مرحلة انتقالية في الكتابة النثرية السردية تمهد للبنية الروائية في الأدب العربي الحديث، وكانت بعض هذه الروايات ذات البنية الانتقالية تستلهم بعض لحظات ومواقف قديمة من التاريخ العربي الإسلامي، كما هو الشأن في الروايات التاريخية **لجورجي زيدان،** والتي كان بعضها الأخر هو أكثر نضجا من ناحية البنية الروائية، تستلهم بعض اللحظات التاريخية والاجتماعية والقيم الأخلاقية والعاطفية البارزة في ذلك العصر مثل: كتابات **جبران** و**حسين هيكل لاشين** ثم **توفيق الحكيم.** ولقد كان هذا الاهتمام للأشكال والموضوعات التراثية والوطنية والإجتماعية والأخلاقية والعاطفية تجليات أدبية ودلالية مختلفة لمحاولات إبراز الذات القومية في مواجهة الغرب. إلا أن بعض هذه الكتابات أخذت تستلهم بعض تلك الأشكال الفنية للرواية العربية في معالجتها لموضوعات كالقومية والمجتمع، ولهذا نشأ منذ البداية الالتباس بين إرادة تأكيد، وإبراز الذات القومية الخاصة من ناحية، والإفادة من القيم والمفاهيم والأشكال الغربية من ناحية أخرى.
أصبحت الرواية العربية بحق التاريخ الإبداعي المتخيل داخل التاريخ الموضوعي العربي المعاصر، على اختلاف مستوياتها وتوجهاتها ورؤاها وأبنيتها الزمنية الجمالية والدلالية الوعي الإبداعي الكاشف عن جوهر مفارقات هذا التاريخ العربي وتناقضاته وصراعاته وأزماته وفواجعه والتباساته سواء في تضاريسه الحديثة الخارجية أو أعماقه الباطنية. نقرأ في أعمال **نجيب محفوظ** تنوع هذه الأعمال من الناحية البنيوية والأسلوبية والدلالية، وبخاصة في ثلاثية ما يكاد يمثل التاريخ الملحمي المتصل والزاخر بالتناقضات والصراعات بين الشخاص والأحداث والقيم والمواقف التي تشكل بأبنيتها الأدبية السردية الخاصة، ما هو أعمق من التاريخ المصري في مظاهره الحديثة التي تتابعها هذه الأعمال وتعبر عنها مع ذلك برؤية وبنية زمنية تاريخية متخيلة خاصة، ونقرأ في هذا العدد من أعمال **عبد الرحمن منيف** وبخاصة ملحمته الروائية “مدن الملح”، تاريخا وجدانيا إبداعيا عميقا لنشأة وتطور تناقضات ظاهرة من أخطر الظواهر العربية التي أخذت تشكل عاملا من عوامل التخلف والتبعية العربية.
وإن كان من المفروض أن يكون عاملا من عوامل التحرر والتقدم، وأقصد به ظاهرة (النفط العربي)، على أن القضية لم تكن قضية تشكل العلاقات السلطوية والطبقية والاستغلالية والقمعية في مجتمع من مجتمعاتنا العربية. وفي روايات **جمال الغيطاني** عامة، نجد مختلف أنماط التراث العربي الإسلامي التاريخي والديني والثقافي على السواء، نجدها مادة حية لصياغة أبنية روائية جديدة متداخلة تعبر تعبيرا إبداعيا نقديا عميقا عن ظواهر القمع والاستبداد والفساد واغتراب الإنسان في واقع الحيرة العربية المعاصرة. وفي روايات “صنع الله إبراهيم” تتابع في أبنية فنية رفيعة متداخلة الأزمنة متعددة التشكيل، وقائع من التاريخ القديم والحديث ونصوصا حقيقية تسجل بعض ما يحدث لنا وحولنا.
وهذا الشأن في مختلف الإبداعات الروائية الحديثة والمعاصرة نجده طوال الأربعين سنة الماضية، فكان من الواجب سرد أسماء بعض الروائيين العرب الذين تشكلت أعمالهم للتاريخ الوجداني الإبداعي، ثم تبعهم الجيل الثاني، جيل الذين استلهموا لحظات ومواقف قديمة من التاريخ العربي والإسلامي، وكان لهذا الاستلهام للأشكال والموضوعات التراثية والوطنية والاجتماعية والأخلاقية والعاطفية، تجليات أدبية بمستويات أدبية ودلالية مختلفة لمحاولات إبراز الذات القومية في مواجهة الغرب حيث استلهم بعض الكتاب هذا التراث في رواياتهم بهدف بعث أمجاد الماضي وبطولاته، ومن هؤلاء؛ **عادل كامل** و**نجيب محفوظ** و**عبدالحميد جودة السحّار** و**محمد فريد أبو حديد** و**علي أحمد باكثير** و**علي الجارم**، وقد صدرت روايات هؤلاء في الأربعينات.
يحتاج المنحى التاريخي من القاص أو الروائي إلى وعي عميق ومعرفة شاملة بالحياة الاجتماعية خلال الفترة التي يؤرخ لها فنيا، وعلى ذلك جاءت أعمال **أحمد باكثير** التاريخية، فيها نوع ملموس من التوازن بين متطلبات الحياة الاجتماعية والفنية، وتطلعه الجاد نحو تأصيل فني للرواية التاريخية الإسلامية، وبذلك جاء الحدث التاريخي في رواياته مرتبطا بالرؤية الاجتماعية التي كانت تنطلق من التاريخ وتميل به إلى معالجة الواقع.
إن الرواية الأدبية التي ظهرت مؤخرا في البيئة العربية قد تفرعت وتعددت ألوانها، يظهر هذا في التصنيف الذي أعده الدكتور **محمد مندور** للاتجاه القصصي الحديث عند العرب، بادئا بأول نوع تفرع عن القصة الفنية الحديثة عند العرب وهو الاتجاه التاريخي الذي ابتدأه **جورجي زيدان** ،وجاء بعده **فريد أبو حديد** فجدد في معناه وحدد من وسائله وأوشك أن يخلقه خلقا جديدا في “الملك الضليل” و”زنوبيا”، وتبعه في ذلك شاب ينبعث منه الأمل وهو **علي أحمد باكثير** كاتب “أخناتون” و”سلامة القس” و”جهاد ” التي نالت إحدى جوائز وزارة المعارف، أما القصة التحليلية فتمثلها “سارة ” **للعقاد**، وأدب الفكرة الذي يصدر عنه **توفيق الحكيم**، ومنحى **طه حسين** الذي يتميز بموسيقاه وتدفق عواطفه، وأخيرا لدينا الأدب الواقعي الذي برع فيه **محمود تيمور.**
شكلت الرواية التاريخية مدونة مرجعية، تسمح للأجيال اللاحقة (التناص) معها في مستوياتها الفنية المختلفة، وقد ظهرت هذه الرواية في وقت مبكر من العصر العربي الحديث، كما تشهد به هذه الأسماء التي سأوردها على سبيل التمثيل لا الحصر الموزعة بين خارطة العالم العربي، مثل: **يحيى حقي** من مصر في فولكلورياته، **وإميل حبيبي** من فلسطين، في استخداماته التراثية، و**محمود المسعدي** من تونس، في شبه مقاماته، ثم **مارون عبود** من لبنان في خواطره، **فالطاهر وطار** من الجزائر في توصيف بيئته، و**عبدالرحمن منيف** من السعودية في أجيال “مدن الملح” و”أرض السواد”، و**غائب طعمة فرمان** من العراق في روي الحركة الوطنية، و**هاني الراهب** من سوريا، في تقاطعاته مع “ألف ليلة” ناهيكم عما استخدمه **إدوارد الخراط** و**شكري عياد** من مصر، و**فؤاد التكرلي،** و**عبد الرحمن مجيد الربيعي** من العراق، و**مؤنس الرزاز** و**موسى الأزرعي** من الأردن، و**أحمدو ولد عبدالقادر** من موريتانيا، و**الطيب صالح** من السودان، و**عبدالله العروي** من المغرب الأقصى في الحس التاريخي للمجتمع، وغيرهم من الذين كانت لهم رؤاهم عن تاريخ مستلهم لا مقروء.
نستطيع القول إذن بأن الرواية التاريخية العربية في تلك الفترة بالذات استطاعت أن تعبر عن التيارات الفكرية التي كان يموج فيها الواقع، وتفرضها الأحوال المعيشية والظروف السياسية والاجتماعية الاقتصادية.
فماذا عن الرواية المغربية، وفي فترة تحول عدد غير قليل منهم من مجال التاريخ إلى حقل الأدب ولاسيما مجال الرواية في ظل ما نسميه (المؤرخ الروائي)؟