
المصطفى الجوي – موطني نيوز
قبل آلاف السنين، حين اجتاح الطوفانُ الأرضَ محوًا كلَّ أثرٍ للكفر، لم ينجُ إلا مَن ركب سفينةَ الإيمان مع نوحٍ عليه السلام، ومن بينهم أبناؤه الثلاثة: سام، وحام، ويافث. اختارهم القدر ليُصبحوا جذورًا جديدةً للبشرية، ينبتون من صحراء الدمار حضاراتٍ وأممًا تملأ الأرضَ حكاياتٍ وألوانًا. فكيف انطلقت رحلة التعمير من هؤلاء الثلاثة؟ وكيف نسجت أقدارهم خريطةَ العالم التي نعرفها اليوم؟
بدأت الحكاية مع يافث، الأكبر بين الإخوة، الذي حمل رايةَ الشمال والغرب. امتدت ذريته كأغصان شجرةٍ عملاقة، فسكنت سهولَ أوروبا الباردة وجبالَ آسيا المترامية. من نسله وُلد الأتراكُ الذين حكموا سهولَ الأناضول، والتتارُ الذين رقصت خيولهم على حدود الصين، والروسُ الذين أبحروا في ثلوج سيبيريا. ولم تخلُ ذريته من الغموض؛ فمن أحفاده خرج يأجوج ومأجوج، أولئك الذين حُبست قصتهم بين أساطير الماضي ونبوءات المستقبل. حمل أبناء يافث سماتِ الشمال: بَشَرةً فاتحةً وعيونًا زرقاء، وكأن الطبيعةَ صاغتهم من ثلوجِ قممِهِ وجليدِ أنهارِه.
أما سام، الابن الأوسط، فكان حارسَ الشرق وكنزَ الحكايات المقدسة. من اليمن، حيث أسس مدينةَ “سام” صنعاء اليوم. انطلق نسله ليُشيِّدوا ممالكَ التاريخ الكبرى. من صلبه خرج العربُ حُماةَ اللغة والشعر، والفرسُ سادةَ الفلسفة والعمران، والرومُ أبطالَ الحضارة والصراعات. ولم يكن بنو إسرائيل سوى فرعٍ من أغصانه، حملوا اسمه فسُمُّوا “ساميِّين”، وتشبثوا بوعد الأنبياء في أرض الميعاد. كانت ذريته كالنخلة: جذورها في التراب، وقممها تلامس السماء، فمنهم خرج الأنبياءُ والمُلوك، وحُفّاظُ الكتب السماوية.
ووسط هذا التنوع، جاء حام، الأصغر، حاملًا أسرارَ الجنوب وأساطيرَ القارة السمراء. اتجه إلى أفريقيا، حيث الشمسُ لا تغيب عن تربةٍ ذهبيةٍ وأنهارٍ تروي تاريخًا منسيًّا. من نسله وُلد الفراعنةُ الذين نحتوا الأهرامات على ضفاف النيل، والحبشةُ الذين حرسوا أراضي الذهب والبخور، والكنعانيون الذين ناضلوا على سواحل البحر المتوسط. حمل أبناءُ حام في ملامحهم قصصَ الصحاري المترامية: بَشَرةً سمراء، وجسدًا قويًّا، وكبرياءَ مَن يعرف أن الحياةَ معركةٌ دائمة.
لكن هذه القصة، رغم جمالها، تترك أسئلةً تتصادم مع حقائق العلم الحديث. فدراساتُ الجينات تُخبرنا أن البشرَ خرجوا من أفريقيا قبل مئتي ألف عام، في رحلاتٍ متعددةٍ، لا من حدثٍ واحدٍ كالطوفان. لكن ربما تكون حكايةُ نوح وذرّيته مجازًا عميقًا عن فكرةٍ أكبر: أننا، رغم تفرق ألواننا وحدودنا، ننتمي إلى أصلٍ واحد. فالسمرةُ والبياض، والسهولُ والجبال، واللغةُ والدين، كلها فصولٌ من كتابٍ واحدٍ كُتب بلغة التنوع.
لتبقى حكايةُ نوح وذرّيته مرآةً نرى فيها أنفسنا: بشرٌ بحثوا عن معنى الوجود، فصنعوا من الطين حضارات، ومن الماء حياة، ومن الظلام نورًا. فهل نستطيع اليوم، ونحن نقرأ هذه الحكاية، أن نتذكر أننا جميعًا مثل أبناء نوح ركابُ سفينةٍ واحدة؟ سفينةُ الأرض التي تحملنا، رغم عواصف الخلاف، نحو مصيرٍ مجهولٍ…قد ننجو فيه معًا، أو نغرق!