المغرب يركض بسرعتين…والفائز من يلحق بالملك

المصطفى الجوي
المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في خطاب عرش استثنائي بمعاييره وتوقيته، لم يكن الملك محمد السادس يتحدث عن كأس العالم كإنجاز يُحتفى به فحسب، بل استعمله كنقطة انطلاق ليقول شيئاً أعمق : أن المغرب أثبت للعالم قدرته على التنظيم، لكن الرهان الحقيقي أصبح في مكان آخر تماماً. الصناعة، التكنولوجيا المتقدمة، الأمن السيبراني، الدفاع، الأمن الغذائي، الصناعات الدوائية، والاكتفاء الذاتي؛ هذه هي المفردات التي اختارها العاهل المغربي ليرسم بها ملامح المرحلة المقبلة، في لحظة يبدو فيها أن المملكة تستعد لدخول استحقاقات تشريعية حاسمة.

الرسالة الملكية، في جوهرها، لا تحتاج إلى قراءة بين السطور، من يظن أن الحملة الانتخابية القادمة يمكن أن تُختصر في شعارات جوفاء من نوع “حكومة المونديال” أو “حكومة الحكم الذاتي”، فهو لم يفهم شيئاً من طبيعة اللحظة. هذه الشعارات، مهما بدت جذابة إعلامياً، لا تفعل شيئاً سوى تأكيد فجوة السرعة بين مؤسسة ملكية تتحرك باستراتيجية طويلة النفس، وحكومة وبرلمان يتحركان غالباً بمنطق التدبير اليومي والحسابات الحزبية الضيقة.

والأهم من كل ذلك، أن الخطاب حدد بوضوح لا لبس فيه ماهية المهمة التي تنتظر أي حكومة قادمة، أياً كان اسم رئيسها أو انتماؤه الحزبي : البحث عن التمويل الداخلي. فمسار التحول الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه المغرب يتطلب موارد ضخمة غير مسبوقة، ولم يعد ممكناً الاتكاء فقط على الاستثمار الخارجي أو الريع التقليدي. المطلوب تعبئة الادخار الوطني، وتوسيع الولوج إلى التمويل البنكي وغير البنكي لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة، ودعم قطاعات الابتكار والتصنيع والتصدير. هذا هو الامتحان الحقيقي الذي ستُقاس به أي حكومة مقبلة، لا عدد المقاعد التي تحصدها ولا الشعارات التي تُطلقها في الساحات.

ما يستحق التوقف عنده أيضاً هو أن الخطاب الملكي اليوم لم يترك مجالاً للمناورة السياسية حول ملف الوحدة الترابية أو ملف تنظيم المونديال، وكأنه أراد أن يقول بوضوح : هذان الملفان محسومان أو في طريقهما إلى الحسم على المستوى الملكي والدبلوماسي، فلا داعي لأن يستثمرهما أي فاعل سياسي انتخابياً وكأنهما إنجاز حزبي أو حكومي. من يفعل ذلك، سواء كان في يمين المشهد أو يساره، رجلاً كان أو امرأة، فهو ببساطة يهرب إلى الأمام من المهمة الحقيقية الموكولة إليه.

هذا التمييز الدقيق بين ما هو “استراتيجي” يبقى بيد المؤسسة الملكية، وما هو “تدبيري يومي” يُفترض أن تنهض به الحكومة والبرلمان، ليس جديداً كلياً في الخطاب الملكي المغربي، لكنه هذه المرة جاء بلهجة أكثر حزماً وربما أكثر استعجالاً، في سياق إقليمي مضطرب وسياق داخلي يستعد لانتخابات تشريعية ستحدد ملامح الحكومة المقبلة. والرسالة الضمنية موجهة إلى كل من يفكر في خوض السباق الانتخابي : الناخب المغربي، والمراقب السياسي، وربما حتى الفاعل الحزبي نفسه، أصبحوا اليوم أكثر وعياً بأن الشعارات الرنانة لا تصنع سياسة عمومية ناجعة، وأن المسافة بين “سرعة” الفعل الملكي و”سرعة” الفعل الحكومي لن تُختصر بالخطابة، بل بنتائج ملموسة في التمويل والتصنيع والسيادة الاقتصادية.

في النهاية، الخطاب الملكي لهذا العام لم يكن احتفالياً بقدر ما كان تنبيهياً : المغرب لا ينقصه من يُصفّق لإنجازات المونديال أو من يلوّح بملفات محسومة سلفاً، بل ينقصه من يشتغل بصمت وجدية على تعبئة الموارد الداخلية وبناء اقتصاد سيادي حقيقي. وأي حكومة تخرج من صناديق الاقتراع القادمة، ولا تضع هذا الهدف في صلب برنامجها، ستكون قد أضاعت فرصة تاريخية، وأثبتت من جديد أن المغرب الرسمي ما زال يمشي بسرعتين.

رسالتي بلغة مفهومة لهدوك الشلاهبية : واش فهمتو أشنو قال ليكم سيدنا في خطاب العرش؟ 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!