
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في سابقة تدق ناقوس الخطر الاقتصادي والاجتماعي، كشف تقرير بنك المغرب السنوي حول الوضعية الاقتصادية والنقدية والمالية برسم سنة 2025، والذي عرضه والي البنك المركزي عبد اللطيف الجواهري أمام جلالة الملك محمد السادس يوم أمس الإثنين 20 يوليوز الجاري بمدينة تطوان، عن فشل ذريع في تحويل أرقام النمو الإجمالي إلى مناصب شغل فعلية. فعلى الرغم من تسجيل الاقتصاد الوطني لنمو بنسبة 4.9 في المائة خلال سنة 2025، واستقرار التضخم عند نسبة متدنية للغاية لم تتجاوز 0.8 في المائة، إلا أن هذه الأرقام لم تفلح في امتصاص البطالة، حيث أكد الجواهري أمام صاحب الجلالة الذي كان مرفوقا بولي العهد الأمير مولاي الحسن، أن معدل البطالة بلغ عتبة خطيرة وصلت إلى 13 في المائة. هذا التناقض الصارخ يطرح تساؤلات جوهرية حول نجاعة السياسات الاقتصادية المتبعة ومدى واقعيتها في التعامل مع معضلة التشغيل المزمنة.
إن الوضعية النقدية التيسيرية التي تبناها بنك المغرب، والتي تمثلت في خفض سعر الفائدة الرئيسي إلى 2.25 في المائة وتلبية كافة طلبات البنوك من السيولة، كان من المفترض أن تشكل رافعة قوية لتوسيع القاعدة الإنتاجية للمقاولات، خاصة الصغرى منها، عبر تسهيل ولوجها إلى التمويل. ورغم هذا الدعم المالي غير المسبوق، يظل انتعاش النمو غير كاف لاستيعاب الفئات العاطلة عن العمل أو التي تتدفق سنويا إلى سوق الشغل. وهذا الأمر يفضح قصورا في التكوين ونجاعة الاستثمارات الحالية التي لم تفلح بعد في خلق مناصب عمل تتناسب مع تطلعات الشباب المغربي وتخصصاتهم، مما يجعل من سياسة ضخ السيولة دون نتائج ملموسة على أرض الواقع، مجرد مسكنات اقتصادية لا تعالج الجذور الهيكلية لأزمة التشغيل.
تجذر الإشارة إلى أن هذه المعضلة لا تقتصر على الأرقام الكلية وحسب، بل يتعمق في الفجوة الواسعة بين الأداء الاقتصادي المقاس منهجيا وبين الانطباع الواقعي والمعيشي للمواطنين. وقد نبه والي بنك المغرب صراحة إلى هذه الظاهرة، مشيرا إلى أن التشغيل لم يشهد بعد التحسن المأمول، مما يكشف عن أزمة ثقة بين المؤسسات الاقتصادية والشارع المغربي. ويتضمن هذا الحل، بحسب تقرير البنك المركزي، ضرورة مواصلة تأهيل نظام التعليم والتكوين لمطابقته مع متطلبات سوق العمل، إلى جانب توطيد آثار الاستثمار والاستمرار في الإصلاحات الهيكلية لتحسين مردودية القطاع الخاص وجعله قاطرة حقيقية للتشغيل المستدام.
و على صعيد آخر، تضافرت عوامل اجتماعية وهيكلية لتعمق من حدة هذه الأزمة وتزيد من إحراج المؤسسات الحكومية. إذ أوضح والي بنك المغرب أن الفجوة بين النمو الاقتصادي وحياة المواطنين تعزى أيضا إلى مستوى الفوارق الاجتماعية الثراء الفاحش و الفقر المدقع وهما السرعتين التي سبق وحذر منها صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه، وهو ما يستلزم استهدافا أدق للفئات الأكثر هشاشة، رغم الموارد الكبيرة المخصصة للدعم الاجتماعي. وفي ظل ارتفاع مستوى النفقات غير القابلة للتقليص والعواقب المنتظرة لإصلاح أنظمة التقاعد الحتمي، يبرز ترشيد الموارد كضرورة ملحة لتعزيز هوامش الميزانية العمومية. إن هذا التحدي المالي يحد من قدرة الدولة على ضخ المزيد من السيولة لتعويض نقص التشغيل في القطاع الخاص، مما يفرض إجراء مراجعات منتظمة للنفقات العامة وتسريع إصلاح القانون التنظيمي لقانون المالية.
في خضم هذه التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتشابكة، تبرز أهمية التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى تحقيق تنمية منصفة وتقليص الفوارق المجالية عبر ورش الجهوية المتقدمة. فقد أكد العاهل المغربي، في إيماءة واضحة إلى فشل النماذج التنموية التي تركز على مراكز معينة على حساب مناطق أخرى، أنه لا مكان لمغرب يسير بسرعتين. هذا التوجيه يفرض إعادة النظر بشكل جذري في نماذج التنمية الحالية لضمان توزيع عادل لثمار النمو. إن بلوغ مصاف الدول الصاعدة اقتصاديا واجتماعيا لا يقاس بمعدلات النمو الإجمالي أو انخفاض العجز في الميزانية العمومية الذي استقر في 3.5 في المائة، بل بمدى قدرة هذا النمو على توفير حياة كريمة وفرص عمل لائقة لمختلف شرائح المجتمع المغربي، وهو الرهان الأصعب الذي لا يزال يواجه صمم السياسات الحكومية الحالية.