الحقوق و الحريات بالمغرب بين النص والممارسة : قضية الدكتور المؤرخ المعطي منجب نموذجا

الأستاذ الهادي اليمني

بقلم الهادي اليمني – موطني نيوز 

لا يكاد المتتبع للمشهد السياسي والحقوقي بالمغرب يخفي دهشته أمام حجم الممارسات التي توصف بغير المنسجمة مع مبادئ دولة الحق والقانون، والتي تطال عدداً من النشطاء والفاعلين الحقوقيين، وتمتد في أحيان كثيرة إلى المجال الأوسع المتعلق بحرية التعبير. هذا الواقع يطرح تساؤلات ملحة: هل نحن فعلاً أمام دولة عصرية تُؤطرها المؤسسات ويعلو فيها القانون فوق الجميع، أم أن بعض الممارسات لا تزال تعيد إلى الأذهان صوراً من الماضي الذي اعتقد كثيرون أنه قد طُوي؟

في قلب هذه الأسئلة تبرز قضية المؤرخ والحقوقي الدكتور المعطي منجب، التي استأثرت باهتمام واسع داخل المغرب وخارجه، باعتبارها نموذجاً دالاً على وضع الحريات العامة. فالقضية لا تتعلق بشخص واحد بقدر ما تعكس إشكالية أعمق ترتبط بكيفية ممارسة السلطة، وحدود تدخلها في الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين.

لقد تجاوزت معاناة المعطي منجب عقداً من الزمن، تخللتها فترات من المتابعة القضائية، والمنع من السفر، والتضييق بأشكال مختلفة. وهو ما يطرح إشكالاً قانونياً وأخلاقياً واضحاً: فإذا كان المعني بالأمر مذنباً وفق القانون، فإن مقتضيات العدالة تقتضي محاكمته محاكمة عادلة وشفافة، تضمن له كافة حقوق الدفاع، شأنه شأن أي مواطن. أما إذا لم تثبت في حقه أية إدانة نهائية، فإن استمرار التضييق عليه يطرح تساؤلات جدية حول احترام مبدأ قرينة البراءة، وحول الجهات التي تتخذ مثل هذه القرارات.

وفي ظل هذا الغموض ، يبرز سؤال جوهري: من يصدر هذه القرارات؟ فإذا كانت السلطة، كما ينص الدستور، تُمارس عبر مؤسسات واضحة ومحددة، فإن الرأي العام من حقه أن يعرف طبيعة هذه المؤسسات وحدود صلاحياتها، خاصة حين يتعلق الأمر بتقييد حقوق يكفلها الدستور نفسه، مثل حرية التعبير والتنقل.

إن استمرار مثل هذه الممارسات في زمن العولمة، حيث تتحول الأخبار إلى مادة متداولة عالمياً في لحظات، لا ينعكس فقط على الأفراد المعنيين، بل يمتد تأثيره إلى صورة المغرب دولياً. فبلد يسعى إلى تقديم نفسه كنموذج في الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية، يجد نفسه في مواجهة انتقادات متزايدة كلما برزت قضايا من هذا النوع إلى الواجهة.

ويزداد الأمر تعقيداً حين يُطرح سؤال آخر لا يقل أهمية: ما الذي يجعل صوت مؤرخ أو مقال صحفي أو تدوينة على مواقع التواصل الاجتماعي يُنظر إليه كتهديد؟ هل يعكس ذلك حساسية مفرطة تجاه الرأي المخالف؟ أم أن هناك خللاً في تدبير الاختلاف داخل الفضاء العمومي؟

لقد شكلت مرحلة ما بعد الانفتاح الحقوقي في المغرب بارقة أمل، حيث ساد الاعتقاد بأن البلاد دخلت مساراً جديداً عنوانه الانتقال الديمقراطي وتعزيز الحريات. غير أن تكرار بعض القضايا، وعلى رأسها قضية المعطي منجب، أعاد إلى الواجهة مخاوف من تراجع هذا المسار، بل ومن إمكانية العودة إلى ممارسات طبعَت فترات سابقة من تاريخ البلاد.

إن الرهان اليوم لا يكمن فقط في معالجة حالة فردية، مهما كانت أهميتها، بل في ترسيخ ضمانات مؤسساتية حقيقية تحمي الحقوق والحريات، وتؤكد أن دولة القانون ليست مجرد نصوص دستورية، بل ممارسة يومية يشعر بها المواطن في حياته العامة والخاصة. فبدون ذلك، سيظل السؤال قائماً: هل نحن أمام انتقال ديمقراطي متواصل، أم أمام مسار متعثر يحتاج إلى مراجعة عميقة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *