
المصطفى الجوي – موطني نيوز
لا تحتاج إلى خريطة دقيقة لتدرك أنك دخلت مدينة منسية. يكفي أن تمشي مائة متر في أي شارع أو زنقة لتشعر بأن الزمن توقف هنا منذ سنوات، أو بالأحرى أن الزمن يتآكل ببطء تحت عجلات الشاحنات الثقيلة. الطرق لم تعد مجرد “متهالكة”، بل أصبحت كارثة متحركة. الحفر التي تشبه فوهات البراكين، والأرصفة المنهارة، والأتربة التي تتحول إلى مستنقعات في أول مطرة، كلها تروي قصة مدينة كاملة تُترك لمصيرها في صمت مطبق.
لكن القصة الحقيقية، الأكثر إيلاماً ودلالة، تتركز في مدارة “الشلال”، تلك البقعة التي كانت يوماً ما معلم مرورياً يضرب به المثل نافورة كبيرة وازهار بشتى الاشكال و الألوان، أصبحت اليوم رمزاً للانهيار الشامل. المدارة – أو ما تبقى منها – لم تعد صالحة للاستعمال علما أنها أول شيء يستقبل زوار المدينة. الإسفلت إنهار ودمر تماماً، وحل محله خليط من الحجارة المكسورة، والتراب الرخو، وحفر والمطبات العشوائية التي يبلغ عمق بعضها أكثر من 20 سنتيمتراً. الشاحنات الكبيرة، التي تمر يومياً محملة بأحمال تفوق طاقتها القانونية، حوّلت المدارة إلى “مطحنة ميكانيكية” متنقلة. كل مرورة لشاحنة 40 طناً تعني ارتفاعاً جديداً في فاتورة الإصلاحات للسيارات العادية، نوابض مكسورة، إطارات ممزقة، أنظمة تعليق مدمرة، ومحركات تئن من الاهتزاز المتواصل.
سألت أحد السائقين في مدينة السيبة، وهو يحاول عبور بسيارته المتواضعة تلك المدارة الكارثية قائلا : “الله يخذ فيهم الحق. رمايك قتلو لبلاد. أما البلدية مصمكاها علينا”. لم يكن يبالغ. واقع الأمر أن الشاحنات الثقيلة أصبحت تسلك المدارة لأنها الطريق الأقصر نحو الملعب الكبير والطريق السيار، ولا رقيب ولا حسيب يفرض احترام الحمولة أو يغلق الطريق أمام الشاحنات الزائدة.
الغريب في الأمر – والمُر – أن الجميع يتفرج. المواطنون، التجار، سائقو التاكسيات، حتى بعض المسؤولين المحليين، يرون الانهيار وهم يمرون بجانبه كل يوم كأنه مشهد في فيلم لا يعنيهم وبعبارة اصح فالسيارات التي يركبونها ليست ملكا لهم. لا احتجاجات منظمة، لا عرائض جماعية، لا تغطية إعلامية محلية تُحرك الرأي العام. المدينة كلها أصبحت تشبه المتفرج الذي يقف أمام بيته المحترق ويقول : “يا ربي يطفيها”.
هذا اللامبالاة ليس صدفة. بنسليمان ليست مدينة كبرى كالدار البيضاء أو الرباط، وليست منطقة صناعية استراتيجية تجذب الاستثمار. هي مدينة صغيرة الحجم منسية، تقع في قلب محور حيوي، لكنها ببساطة ليست مهمة في حسابات التنمية الوطنية. غياب التنمية ليس مجرد تقصير فني، بل هو قرار سياسي ضمني لأن الموارد تُركز في المدن الكبرى والمشاريع الاستعراضية، أما المدن الصغرى فتُترك لـ”الصيانة الذاتية” وبعبارة أخرى “الترقيع” التي لا تُجدي نفعاً.
مدارة “الشلال” في مدينة الفساد ليست مجرد نقطة سوداء على خريطة الطرق؛ هي دليل حي على أن التنمية اللامركزية التي يُروَّج لها على الورق ما زالت مجرد شعار. والمدينة اليوم تطلب ليس فقط إصلاحاً تقنياً، بل إرادة سياسية حقيقية. إرادة تحول دون أن تتحول كل مدينة صغيرة في المغرب إلى بنسليمان أخرى.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح : إلى متى سيبقى المواطن البنسليماني يدفع ثمن إهمال منظّم من جيبه ومن صحة سيارته وعافيته؟ ومتى سيتحول المتفرجون إلى مواطنين يطالبون بحقهم في بنية تحتية تليق بكرامتهم؟
الإجابة، للأسف، لا تزال معلقة في هواء مدينة تذوب ببطء تحت عجلات الشاحنات الثقيلة إلى أن تنتهي الأشغال بالملعب الكبير عام 2028 وإخراج الطريق الدائري لمدينة بنسليمان الرابط بين الطريق الجهوية 404 و الطريق الجهوية 305 إلى الوجود.
وفي إنتظار ذلك سيبقى الحال على ما هو عليه إلى أن يختفي الإسفلت بصفة نهائية.