
بقلم المصطفى الجوي – موطني نيوز
كل عامل عمالة أو إقليم يتوفر على كومندوس تقني يضم ما بين 40 و 45 إطاراً من مهندسين مدنيين ومعماريين وأطباء ومتصرفين و بياطرة وإعلاميين. وبما أن المغرب يضم 75 عمالة وإقليماً، فإن ممثلي الملك كما يحلو أن يطلق عليهم يحيطون بهم نخبة مؤهلة تضم 3375 إطاراً. وإذا أضفنا إلى هذه الوحدات الترابية عدد الأطر التقنية والإدارية العليا التي تحيط بـ256 رئيس جماعة حضرية، وصلنا إلى 8000 إطار، أي 33 إطاراً بكل مدينة. أما إذا أدمجنا الجهات ومجالس العمالات والوكالات الحضرية فإن المجموع يصل إلى حوالي 12000 إطار عالٍ موزعين على مختلف الجماعات الترابية.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاء إداري بارد، بل هي شهادة على حجم الموارد البشرية التقنية التي يتوفر عليها المغرب في تدبير شؤونه الترابية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة، ويصبح أكثر إلحاحاً كلما نظرنا إلى واقع المدن والأحياء : ما هو عمل هؤلاء الأطر بالضبط؟ أين هي بصماتهم الملموسة في تدبير المجال الحضري؟ وما الحلول الجريئة التي قدمها المهندسون المدنيون والمعماريون لتحسين جودة الحياة في العمالات والوسط الحضري؟
إن النظر إلى الواقع اليومي للمواطن المغربي يكشف تناقضاً صارخاً. ففي الوقت الذي تتكاثر فيه التقارير والدراسات والمخططات الاستراتيجية داخل المكاتب المكيفة، تظل شوارعنا تعاني من الاختناق المروري، وأزبالنا تتراكم في الأحياء، وإنارتنا العمومية تتلألأ بشكل متقطع بل هناك احياء عمياء بالكامل، وحدائقنا تتحول إلى أماكن مهملة، ونقلنا العمومي لا يزال يعاني من فوضى لا تنتهي. أين إذن اجتهادات هذه النخبة التقنية التي يفترض أنها تشتغل ليل نهار للإجابة عن انتظارات السكان؟
فالمهندس المدني، على سبيل المثال، لم يعد يكفيه أن يرسم خرائط ويحسب معادلات إسفلت وخرسانة. المواطن ينتظره أن يبتكر حلولاً حقيقية لإشكالية التنقل في مدينة مثل الدار البيضاء أو فاس أو مراكش أو طنجة، حيث أصبح الذهاب إلى العمل كل يوم معركة يومية. كان يُنتظر منه أن يقترح نماذج نقل عمومي حديثة، أو يعيد تصميم الشبكات الطرقية بطريقة ذكية تقلل من الازدحام، أو يطور أنظمة إشارات مرورية تعتمد على الذكاء الاصطناعي بدل أن تبقى رهينة الأضواء الحمراء التقليدية التي لا تحترمها حتى السيارات الرسمية. لكنه، في كثير من الأحيان، يبقى محصوراً في دراسات نظرية لا ترى النور إلا على شكل تقرير يُرفع إلى الجهة المختصة ثم يُنسى.
الأمر نفسه ينطبق على تدبير الأزبال وجودة العيش. أين هي الحلول التقنية المبتكرة لمعالجة النفايات قبل أن تصل إلى المطارح العشوائية؟ أين هي المشاريع الهندسية التي تحول الحدائق إلى متنفسات حقيقية وليست مجرد مساحات خضراء على الورق وان وجدت تحولت إلى مرعى للبهائم و أوكارا للمنحرفين؟ وأين الإعلاميون والمتصرفون الذين يفترض أنهم يسهرون على التواصل الفعال بين الإدارة والمواطن، في وقت يشكو فيه السكان من تعقيد الإجراءات الإدارية التي تبدو وكأنها مصممة لإرهاق المواطن لا لتسهيل حياته؟
إن التناقض الأكبر يكمن في أن هذه النخبة التقنية موجودة بكثرة، لكن تأثيرها يبدو خافتاً. فهل المشكل في ضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين؟ أم في غياب الجرأة في اتخاذ القرارات الميدانية؟ أم في أن الإطار التقني أصبح يعمل في بيئة إدارية تكرس الروتين وتخنق الإبداع؟ أم أن جزءاً من هذه الأطر أصبح يشتغل أكثر لإرضاء التقارير الرسمية من أجل إرضاء رؤسائهم؟
فالسؤال هنا ليس اتهاماً، بل دعوة لمراجعة صادقة. فالمغرب الذي يطمح إلى أن يكون قطباً دوليا و إقليمياً في التنمية يملك كل المقومات، موارد بشرية مؤهلة، إرادة سياسية عليا، ووعي شعبي متزايد بحقوقه في مدينة تليق به. لكن هذه المقومات لن تتحول إلى واقع ملموس إلا إذا خرجت الأطر التقنية من دائرة “الكومندوس” الورقي إلى ساحة الفعل الميداني الجريء.
المواطن لا يريد أرقاماً ولا تقارير، يريد شوارعاً نظيفة، ونقلاً عمومياً محترماً، وحدائق خضراء، وإنارة دائمة، وجودة حياة تجعله يشعر أن مدينته فعلاً “مدينته”. وهذا لن يتحقق إلا إذا تحولت الـ12000 إطار عالٍ من مجرد أرقام في الإحصاءات الإدارية إلى قوة حقيقية للتغيير. فالزمن لم يعد يسمح بالانتظار، والمدن لم تعد تحتمل أن تبقى رهينة غياب البصمة. وبسبب هذا قال صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله عبارته الشهيرة :
“لن أكون راضيا، مهما بلغ مستوى التنمية الاقتصادية والبنيات التحتية، إذا لم تساهم، بشكل ملموس، في تحسين ظروف عيش المواطنين، من كل الفئات الاجتماعية، وفي جميع المناطق والجهات”.
وبالتالي لا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين.