مشهد البكاء السياسي

المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

شهد المشهد السياسي المغربي مؤخرًا لحظة درامية، تمثلت في مشهد “البكاء الجماعي” الذي رافق مغادرة عزيز أخنوش لرئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار. هذا المشهد، الذي وصفه البعض بالهستيري، يثير تساؤلات عميقة حول حقيقة هذه الأحزاب، ودورها، ومستقبلها في الساحة السياسية المغربية. هل كان البكاء على رحيل أخنوش، أم على مستقبل مجهول ينتظر الحزب؟ أم أنه بكاء على واقع مرير يدركه هؤلاء القادة، واقع لا يبشر بخير لأحزابهم ولا لهم؟

يعيدنا هذا المشهد إلى سنوات خلت، حيث كانت الدولة تصنع الأحزاب لمواجهة قوى سياسية أخرى. فمنذ تأسيس جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية عام 1963 لمواجهة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، مرورًا بالتجمع الوطني للأحرار عام 1978 لمواجهة الاتحاد الاشتراكي، وصولًا إلى حزب الأصالة والمعاصرة عام 2008 لمواجهة الإسلاميين، خاصة حزب العدالة والتنمية، يبدو أن هذه الأحزاب قد انحرفت عن مهمتها الأساسية. لقد أصبحت أدوات تخدم أجندات معينة، بدلًا من أن تكون ممثلًا حقيقيًا للشعب ومطالبه.

إن الأحزاب السياسية في المغرب، كما يصفها البعض، أصبحت “منحرفة” عن مهمتها الحقيقية. لم تعد تهتم بمهمتها الأساسية، بل أصبحت تعتمد على الدولة بشكل كبير. لم تعد الملكية، كما كانت في السابق، بحاجة إلى هذه الأحزاب لتحقيق أهدافها. فاليوم، تواجه الملكية خصومًا وأعداء من نوع جديد، خاصة من النخب الشابة التي نشأت وتكونت سياسيًا وثقافيًا وإعلاميًا خارج رحم هذه الأحزاب. هذا الجيل الجديد، الذي لا يثق في الأحزاب التقليدية، يتوجه مباشرة إلى المؤسسة الملكية بمطالبه، كما حدث في احتجاجات سبتمبر الماضي، حيث طالبوا بإنهاء مهام رئيس الحكومة ووزراء الصحة والتعليم.

تأتي مغادرة أخنوش لرئاسة الحزب في سياق هذه التحولات. فبعد أربعة أشهر من تلك المطالب، وفي ظل وجود الملك خارج البلاد وولي العهد داخلها، أعلن أخنوش انسحابه. هذا الانسحاب، الذي أثار صراعات داخل الحزب، دفع باللجنة المكلفة بالترشيحات إلى إغلاق الباب أمام “ديناصورات الحزب”، ولم يتمكن أحد من تقديم ترشيحه. يرى البعض أن هذا كان بأمر من أخنوش نفسه، أو ربما من “إمارة أخنوش”، لإخلاء المكان قبل أن يضرب الحزب “فيضان القصر الكبير”، وتتفاقم الأزمة.

إن ما حدث يكشف عن طبيعة هذه الأحزاب، التي يصفها البعض بأنها “فريدة من نوعها”. فمن الممكن أن يتغدى الشخص في حزب ويتعشى في آخر، فـ”أولاد العدل واحد”، و”زيتنا في دقيقنا”. لا فرق بين حزب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، فكلهم “سقوا بمغرف واحد”. كلهم تكنوقراط يبحثون عن الفرص، سواء كانت مناصب وزارية، برلمانية، أو رئاسة جهات وجماعات. هذا الواقع يثير تساؤلات حول مدى جدية هذه الأحزاب في تمثيل الشعب وتطلعاته.

أما عن أسباب مغادرة أخنوش للحزب والحياة السياسية قبل الانتخابات القادمة، فهي كثيرة وكبيرة. فقبل أن يصبح رئيسًا للحكومة، توعد أخنوش المغاربة بـ”إعادة تربيتهم”، وهددهم بأنه لن يحتاج إلى القضاء لتربيتهم. كانت قراراته كلها ضد معيشة المغاربة، ولم يكن يهتم بما يقال عنه، وكأنه ينتقم منهم بسبب مقاطعة شركات ومنتجاته. كما شابت فترة رئاسته للحكومة تضارب في المصالح، مثل قضية أوكسيجين والنفط الروسي، ومشروع تحلية مياه البحر، وتعيين شخصيات مقربة منه أو من زوجته في مناصب حساسة. بالإضافة إلى تصريحاته في مجلس النواب التي هدد فيها المغرب بالركود الاقتصادي إذا لم يتم منح المشاريع لأصحابه المقاولين.

لقد دفع أخنوش قيادات في حزبه إلى التصريح بتصريحات خطيرة، مثل تصريح محمد أجار الذي قال إن المغرب سيتعرض لكارثة إذا لم يتم الرقص للحكومة القادمة. كما انتقد تعيين اتحاديين من قبل الملك، وهو اختصاص دستوري، وقال إن البلاد فيها قوى أخرى غير الاتحاد الاشتراكي. يضاف إلى ذلك فضيحة قطيع الأغنام، وفضيحة “الفراقشية” التي نهبت الملايير من المال العام، والتي فضحها حليفه في الحكومة، أمين عام حزب الاستقلال، نزار بركة. كل هذه الزلات والأخطاء الكثيرة لم تكن ضرورية، وتوقع البعض أن تؤدي إلى “سقوط البيئة للحزب”، ليس فقط أخنوش.

إن قصة هذا الحزب، الذي “خلق من عدم، من رماد، وخارج إرادات من سيسيروه”، تبدو أنها تتجه نحو محطتها الأخيرة. ومهمة الدفن سيتكلف بها الرئيس الجديد محمد شوكي. وربما هذا هو مصير أحزاب كثيرة قبل الاستحقاقات القادمة. فهل سيعطي تنحي أخنوش عن قيادة الحزب درسًا للأحزاب في الديمقراطية والمسؤولية والأخلاق؟ وهل يوجد من يفهم في السياسة والتخطيط الاستراتيجي كيف يجعل القائد الناجح يتنحى في وقت المعركة السياسية وعشية الانتخابات؟

إن هذه الأحزاب، التي لم تتطور وتتكيف مع الأحداث، ولا تزال تطمع في المناصب الوزارية والبرلمانية، تواجه تحديات كبيرة. فالعالم يتغير في كل شيء، في الأسلوب، العقلية، الثقافة السياسية، والبرامج. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل هذه الأحزاب، التي يصفها البعض بأنها “ليست أحزابًا بل دكاكين بقالة”، قادرة على تدبير شؤون الدولة والشعب؟ وهل هي قادرة على قيادة الحكومة القادمة، وربما التعامل مع ملك شاب في المستقبل؟

إن مصير هذه الأحزاب، التي لم يكن لها قرار أو مصير في الدولة، لا بالأمس ولا اليوم، يبدو أنها تتجه نحو موعد قادم مع حزب آخر وعهد جديد. فهل نشهد بداية زمن سياسي جديد في المغرب، زمن تتطور فيه الأحزاب وتتكيف مع تطلعات الشعب، أم أننا سنظل ندور في حلقة مفرغة من “البكاء السياسي”؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!