
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في سوق النفاق السياسي المُربح، يطلّ علينا نزار البركة كأحد أبرز الباعة الجائلين لأوهام التغيير. يلوّح بخطب نارية وكأنه قادم من خندق المعركة ضد الاستبداد والفساد، متناسياً أو متناسياً أن جلسته الدافئة على مائدة حكومة “أخنوش” لم تبرد بعد. يا للسخرية! إنه يُقدِّم نفسَه اليومَ كمُخلِّصٍ للمغاربة من غلاءٍ وندرة مياه، وهو الذي كان شريكاً في صنع القرار الذي أوصلهم إلى هذا الحضيض. أين كانت صرخاته حين جفت الأنهار وأصبح سعر “لقمة العيش” حلماً؟ كانت تُختنق في قاعات مجلس الوزراء الفخمة، وتذوب في رِضىً ضمنيٍّ عن سياساتٍ هو جزءٌ لا يتجزأ من آلة تنفيذها.
إنها مهزلة المراوحة ببراعة بين دورين، شريكٌ في السلطة حين توزّع المغانم، ومعارضٌ صادق حين تتفاقم الأزمات وتنفجر الشكاوى. يقدم عروضاً بهلوانية في “فن البراغماتية” تُذهل المتفرجين فما هو يُصوِّر نفسه حارساً للقيم ومحامياً عن الشعب، بينما سجله الحكومي يشهد أنه كان أحد حرّاس النظام الذي يُحاسِبُه اليوم! كأنما ذاكرة الشعب قصيرةٌ كذكرى مباراة كروية، وكأن هموم المواطن البسيط مجرد خلفية درامية لتمثيلياته السياسية.
ولكن، أيها السيد البركة، لقد تغير الزمن. لم يعد المغاربة ذلك القطيع الساذج الذي يُصَدِّق كلَّ نَغمة. لقد اكتشفوا أن من يتغنى بـ”تخفيف العبء” عنهم هو نفسه من ساهم في زيادة ثقله. لقد سئموا خطاباً منمقاً عن “الوطن والاستقلال” يصدر من أفواه من باعوا الاستقلال الحقيقي لشعبهم مقابل كراسي وامتيازات. لقد رأوك تسكت حين كان الصوت مطلوباً، وتتحرك اليوم حيث الحركة تحقق ربحاً سياسياً، وكيف لا والانتخابات على الأبواب.
إنهم يعرفون جيداً أن جلود النمور لا تتغير بسهولة. فالذي تربع في دهاليز السلطة وتنعم بدفئها، لا يمكن أن يتحول بين عشية وضحاها إلى ناريّ الثورة الذي يحرق ما كان يحميه بالأمس. كلماتك تنزلق كالزئبق، لكنها لا تُطعم جائعاً ولا تُشفي مريضاً. إنها مجرد دخانٍ يحاول إخفاء حقيقة أنك جزء من المشكلة، ولست حلاً لها.
المغاربة لم يعودوا يثقون في مسرحية “تبادل الأدوار” هذه. لقد أدركوا أن الوجوه قد تتغير، ولكن السيناريو الفاشل ذاته يتكرر. فهل لديك الجرأة لأن تخرج من دائرة التظاهر هذه وتعود إلى الشعب بحسابٍ عما فعلته وأنت في موقع المسؤولية؟ أم أن الإجابة ستكون المزيد من الكلمات الملتفّة حول ذاتها، والمزيد من الترقّع لعباءة مناضل لم تكن يوماً مقاسك؟
الطريق الوحيد أمامك الآن هو الصدق. صدقٌ واحدٌ يؤكد أنك لم تعد ذلك المحلل الذي يرتدي زي المناضل. أما الاستمرار في هذه الكوميديا، فمصيره أن يزيدك بعداً عن شعبٍ لم يعد يرى في الأضواء الكاشفة سوى وجوه من خانوه.