
المصطفى الجوي – موطني نيوز
يُخطئُ من يظنّ أنّ تاريخ المدن المغربية يبدأ مع ترخيص البناء أو تقسيم الأراضي أو الحدود الإدارية الحديثة.
فكثير من المدن المغربية ولدت من رحم الحروب والمعارك، ومن بينها مدينة بنسليمان التي تأسست في 21 ماي 1908، وهذا التأسيس ليس كحدث مدني عابر، بل بل هو استمرار لمشروع عسكري استعماري كامل “معسكر بولو” Camp Boulhaut، الرابع في سلسلة تحصينات الشاوية، الذي وُضع قلب قبائل الزيايدة وفي خاصرة الدار البيضاء لخنق المقاومة وكبح جماحها.

فإذا أراد المغاربة اليوم أن يفهموا جغرافيتهم السياسية وعمقهم التاريخي، فإن قراءة نشأة مدينة بنسليمان تكشف بوضوح أنّ ما كان يُخطط له قبل أكثر من قرن من الزمن كان مشروعاً لتجزئة القبائل وشلّ قدرتها على المقاومة، عبر ربط الأرض بسلسلة من الثكنات والمعسكرات، أكثر من كونه مشروعاً عمرانياً طبيعياً.

بعد أحداث الدار البيضاء سنة 1907، تحوّلت قبائل الشاوية إلى قوة مقاومة منظمة، فرضت على الجيش الفرنسي حرباً استنزافية طويلة. لم تكن مواجهات عشوائية، بل حرباً قَبَلية ــ شعبية، استخدمت تضاريس المنطقة وخبرة القبائل القتالية لاستنزاف القوات الغازية في حرب عصابات طويلة، وصفتها بعض الدراسات الحديثة بأنها من “أكثر الحملات دموية” التي واجهتها فرنسا في بداية توغلها بالمغرب، والتي انتهت عملياً إلى فرض الحماية سنة 1912 بعد سنة من المقاومة المتواصلة.

في خضمّ هذه الحرب، كانت القيادة الفرنسية بقيادة الجنرال دو أماد (Drudeau Albert d’Amade) تبحث عن مخرج من “الفخ” الذي وضعتهم فيه قبائل الشاوية، و التي كانت عبارة عن :
– هجمات متكررة على المواقع العسكرية،
– طرق مواصلات غير آمنة،
– ومناطق واسعة خارجة عن أي سيطرة فعلية.

هنا يبرز خيار استراتيجي واضح، الانتقال من منطق “المواكبة العسكرية” و”العمليات الميدانية المؤقتة” إلى منطق “الاحتلال عبر الثكنات والحصون الدائمة”، أي شبكة من المعسكرات والمواقع المتشابكة التي تُحكم السيطرة على الأرض وتُقسم القبائل إلى دوائر صغيرة يسهل السيطرة عليها.

من أكثر اللحظات دلالة في هذه الحرب، معركة “بير الورد” في 16 ماي 1908. وفق تقارير الاستخبارات والشهادات العسكرية الفرنسية، تجمع في موقع “بير الورد” أكثر من 4000 خيمة للمقاومين والمجاهدين من قبائل متعددة، مع أغلبية واضحة لقبائل الزيايدة، وتحديداً فخذة “بنيورة”، وهو ما كان يعني عملياً وجود معسكر مقاومة ضخم، بشرياً وعسكرياً، في قلب المنطقة المستهدفة.

هذا التجمع لم يكن ليُغفل. فالاستخبارات الفرنسية أدركت أن من بين هؤلاء المجاهدين عدد كبير من قبائل الزيايدة، مع غياب أو هروب بعض الرموز الكبرى للمقاومة، على رأسهم القائد الأحمر بن منصور وغيره من القيادات المحلية، يعني أنهم ما زالوا أحراراً يتحركون في الميدان، وبالتالي فإن أي تأخير في التعامل مع هذا “الكتلة البشرية – العسكرية” قد يمنح المقاومة فرصة لشن هجوم أكبر أو توسيع رقعة العمليات.

لهذا، بعد أيام قليلة فقط من معركة بير الورد، جاء القرار العسكري بإنشاء معسكر “Camp Boulhaut” يوم 21 ماي 1908، تحت إشراف الجنرال دو أماد، وبقيادة المقدم (lt/col) ميشار Michard، ليكون حجر الزاوية في الشبكة العسكرية الجديدة.

فمن هو “Boulhaut”؟ وكيف تُحوّل الضابط القتيل إلى اسم لمدينة مغربية؟ لم يكن اختيار اسم “Camp Boulhaut” اعتباطياً.
فالمعسكر أُطلق عليه اسم تخليداً لذكرى الملازم Boulhaut، ضابط من الرابع مشاة الجزائريين، سقط في معركة “برابح” بالقرب من واد النفيفيخ ناحية بنت عبو يوم 16 فبراير 1908 في اشتباك عنيف مع مقاومي الشاوية.

فمن منظور فرنسي، كان الهدف من إطلاق الاسم هو تحويل استشهاد الضابط إلى رمز انتصار، وربط المعسكر الجديد بـ”روح المقاومة الفرنسية” للموت في سبيل السيطرة على المنطقة.

أما من المنظور المغربي، فإن الأجيال اللاحقة ورثت المدينة باسم فرنسي، ثم عادت لاحقاً لتُسمّيها “بنسليمان”، لكن في الذاكرة الشفوية بقي أثر “كمبولو” شاهداً على أن المدينة وُلدت أولاً كثكنة استعمارية قبل أن تصبح فضاء مدنياً.

فمعسكر Boulhaut الذي تحول فيما بعد إلى بنسليمان تيمنا بالولي الصالح المدفون فيه لم يكن وحده، بل كان حلقة ضمن سلسلة استراتيجية من المواقع العسكرية التي شيّدتها فرنسا في منطقة الشاوية، فهو “المعسكر الرابع” في منظومة الشاوية، وتم تعزيزه بحصون عسكرية في كل من سيدي عمر بتاريخ 23 ماي 1908، وكذلك بمركز مليلة في 25 ماي الذي سُمي “Fort Gurgens”.

هذه الحصون والمعسكرات لم تكن مجرد نقاط تمركز عابرة، بل شكلت عقداً متصلة تربط الدار البيضاء بالمناطق الداخلية، كخطوط حماية للقوافل المدنية والقوافل العسكرية، وكوحدات فصل بين القبائل المقاومة لتجنب أي تجمع كبير من نوع “بير الورد”.

من منظور الاستراتيجية العسكرية الفرنسية، كانت هذه الشبكة هي الترجمة الميدانية لشعار “فرّق تُسد”، حيث تُقسَّم القبائل إلى دوائر جغرافية صغيرة، ويُضيق على حركتها، وتُحاصَر في مساحات تُسهل السيطرة الأمنية والعسكرية عليها.

إذا كان معسكر Boulhaut هو الأداة العسكرية الفرنسية، فإن قبائل الزيايدة كانت، في المقابل، أحد أهم أهدافه. وتحديداً فخذة “بنيورة”، التي مانت بمثابة العصب الرئيسي للمقاومة في منطقة بير الورد وما حولها، حيث باتت تجمع آلاف المقاتلين، وتنظيمهم في شكل معسكرات خيم ضخمة، مع حضور قيادات ميدانية شعبية مثل “الأحمر بن منصور”، الذي برز كرمز من رموز الكفاح المسلح في المنطقة، والذي التحق بصفوف المقاومة في أكثر من مواجهة، ومعارك مثل “فاخاخة” التي خاضتها القبائل سنة 1908 ضد القوات الفرنسية.

فإستخبارات الجيش الفرنسي كانت تدرك جيداً أنّ منع تكرار مثل تجمع “بير الورد” لا يكون إلا عبر احتلال الممرات الاستراتيجية، وإنشاء مواقع دائمة في قلب مناطق نفوذ قبيلة الزيايدة، واستخدام هذه المواقع منطلقاً لعمليات تفتيش و”تأديب” مستمرة ضد القبائل المتمردة.

من هنا، يأتي إصرار القيادة الفرنسية على إنشاء Camp Boulhaut في هذا التوقيت بالذات، ليس ردّاً على معركة واحدة فقط، بل كجزء من خطة طويلة الأمد “لتجفيف منابع المقاومة” في الشاوية عبر السيطرة المباشرة على القبائل الأكثر كفاحاً.

لا تنتهي قصة Camp Boulhaut عند سنة 1908.
فالمعسكر لم يُنشأ ليكون مجرد موقع دفاعي، بل تحول إلى قاعدة لوجستية وعسكرية حقيقية في السنوات التالية، حيث استخدمته فرنسا كنقطة إمداد وتعزيز للقوات المشاركة في حرببها على منطقة “زعير” (Guerre des Zayans) حول سنة 1910، ثم شكّل لاحقاً محطة رئيسية في بناء الأقسام العسكرية المحلية (الأفواج المختلطة، القبائل المساعدة…) التي عُرفت إدارياً في بناء الجيش الفرنسي بالمغرب.

هذا التحول في وظيفة المعسكر يكشف عن عمق الرؤية الاستعمارية، كتأمين الشاوية واحتواء قبائلها، ثم استخدام هذا “الأمن” كقاعدة انطلاق لتوسيع السيطرة نحو زعير والأطلس المتوسط وسائر مناطق المغرب.
وبهذا المعنى، يمكن قراءة تاريخ بنسليمان – كمدينة – كجزء من مسار أوسع انطلق من تأمين الساحل والدار البيضاء، مرورا إلى تأمين الممرات نحو الداخل، ووصولاً إلى فرض نظام الحماية نفسه سنة 1912.

فكيف يقرأ إسم “كمبولو” اليوم؟ من الخطأ أن نقرأ تاريخ بنسليمان فقط كتقويم للمعارك والمعسكرات والضباط الفرنسيين. لأن الجوهري في هذا التاريخ أن المدينة وُلدت من صمود قبائل الزيايدة وبنيورة، وأن شكلها وموقعها وتسميتها الأولى ما كان ليوجد لولا قوة المقاومة التي فرضت على فرنسا تغيير استراتيجيتها مراراً.
واليوم، عندما يمرّ أهل بنسليمان بشارع المدينة الأقدم والذي بات إسمه شارع الحسن الثاني أو يتحدثون عن “Camp Boulhaut” القديم، فإنهم في الواقع يمرون فوق طبقة من الذاكرة القبلية، وطبقة من التخطيط العسكري الاستعماري، وطبقة من التحولات اللاحقة بعد الاستقلال.

فالوعي بهذا التركيب التاريخي ضروري لسببين أساسيين :
– أولاً، لأنه يمنع اختزال تاريخ المدينة في “تأسيس إداري” بارد، ويضعها في سياق الصراع الكبير بين المخزن والمجاهدين من جهة، والمشروع الاستعماري من جهة أخرى.
– وثانياً، لأنه يساعد على فهم بنية المدن المغربية الأخرى التي تولدت من رحم المعسكرات والثكنات (من الدار البيضاء إلى غيرها)، وكيف أنّ شكل العمران اليوم لا يزال يحمل بصمات تلك الحقبة، حتى لو تبدلت الأسماء والوظائف تبقى التصاميم العمرانية شاهدة على العصر.

إن نشأة مدينة بنسليمان في 21 ماي 1908 التي إرتبط إسمها بي “مول النخلات” ليست مجرد تفصيل صغير في تاريخ المغرب الحديث، بل هي نموذج مكثّف لكيفية ولادة مدن كاملة تحت ضغط حرب عسكرية ومقاومة شعبية قوية.
فمن “كمبولو” إلى بن سليمان، نرى كيف حوّل الاحتلال جثة ضابط قتيل إلى اسم لمدينة؟ وكيف تتحول معركة ضخمة كـ”بير الورد” مع آلاف الخيام إلى مبرر لبناء معسكر دائم؟ وكيف تتحول قبائل الزيايدة من قوة مقاومة في الميدان إلى هدف رئيسي لشبكة من الحصون والمعسكرات؟.

قراءة هذا التاريخ بوعي ونقد تعني أنّنا لا نكتفي بسرد الأحداث، بل نحلل المشروع الذي كان وراءها، والمقاومة التي واجهته، والآثار التي ما زالت حاضرة في جغرافية المدن وذاكرة ساكنتها، ولو أن المدينة لا تزال تحت رحمة إستعمار آخر أسد قوة وظلم من المستعمر.

وهذا، بالضبط، ما يجعل من تاريخ مدينة مثل بنسليمان أكثر من مجرد تاريخ محلي، إنه جزء من فهم عميق لكيفية بناء المغرب الحديث على أنقاض حرب استعمارية طويلة، وعلى صمود قبائل لم تلغِها المعسكرات، بل حولتها، بمرور الوقت، من مواقع احتواء إلى مدن حيّة لا تنفصل عن نسيج الهوية المغربية اليوم.

