الجنسية سلاح الإقصاء الجديد بين الحق والمقصلة السياسية

السيد الحسين بنلعايل مدير مكتب موطني نيوز في أوروبا

الحسين بنلعايل – موطني نيوز 

في خضمّ التحديات الأمنية المتصاعدة والتهديدات العابرة للحدود التي تؤرق المجتمعات الغربية، تتجه بعض الحكومات الأوروبية نحو استحضار أدوات قانونية كانت تُعدّ في الماضي القريب من المحظورات السياسية، لعلّ أبرزها وأكثرها إثارة للجدل هو مشروع إسقاط الجنسية عن الأفراد مزدوجي الجنسية. هذا التوجه، الذي يُسوّق تحت شعار مكافحة الإرهاب وحماية الأمن القومي، ليس مجرد تعديل إجرائي في قوانين الجنسية، بل هو تحوّل خطير في فلسفة الدولة تجاه مواطنيها. إنه يمثل تراجعاً عن المكتسبات الحقوقية التي رسخت مبدأ المواطنة الكاملة وغير المشروطة، إذ يحوّل الجنسية من حق أصيل ورباط قانوني غير قابل للتصرف إلى امتياز مشروط يمكن سحبه بقرار إداري أو قضائي، ليصبح بذلك سلاحاً سياسياً فتاكاً يُشهر في وجه فئة محددة من المجتمع، غالباً ما تكون من الأقليات ذات الأصول المهاجرة. هذا التلاعب بالوضع القانوني للمواطنين يضرب في الصميم مفهوم الدولة الحديثة القائمة على المساواة والعدالة، ويفتح الباب أمام تفكيك تدريجي لمفهوم “المواطنة الدستورية” التي لا تقبل التجزئة أو التقييد.

إنّ مشروع القانون الذي نوقش مؤخراً في بلجيكا، والذي يُعدّ مثالاً صارخاً لهذا المنحى، يكشف عن أبعاد أعمق من مجرد استهداف الإرهابيين. فالنص، وإن شمل جرائم مختلفة كالعنف الجنسي أو العضوية في منظمات إجرامية، إلا أن التركيز العملي والسياسي ينصبّ بشكل شبه حصري على الأفراد مزدوجي الجنسية الذين يُشتبه في ارتباطهم بما يُسمى “حركات متطرفة” في الخارج. هنا، ننتقل من معالجة قضائية للجرائم الفردية إلى ما يمكن وصفه بـ “التمييز السياسي المنظّم”. هذا التمييز لا يستهدف الفعل الإجرامي بحد ذاته، بل يستهدف الهوية المزدوجة، ويُفضي إلى تجريد الشخص من انتمائه القانوني في ما يشبه “التهجير الإداري المقنّع”، كما يصفه الخبراء الحقوقيون. إنها قفزة نوعية في استخدام العقاب كوسيلة لتوجيه رسائل سياسية واضحة، مفادها أن الولاء للجنسية الثانية هو ولاء هشّ، وأن المواطنة الكاملة هي حكر على فئة دون أخرى. هذا الإجراء يثير تساؤلات عميقة حول مبدأ “عدم التمييز” وحول مدى التزام هذه الدول بالمواثيق الدولية التي تحمي حقوق الإنسان، خاصة وأن إسقاط الجنسية يضع الأفراد في وضع قانوني بالغ الهشاشة، ويجردهم من حقوقهم الأساسية كالحق في الإقامة والعمل والحماية الاجتماعية، مما قد يحولهم إلى عديمي الجنسية في بعض الحالات، وهو ما يتعارض مع أبسط المبادئ الإنسانية والقانونية.

هذا التكتيك القانوني لا ينبع من فراغ، بل يتغذى من نموذج سياسي شعبوي معروف يستغل المخاوف الأمنية لتبرير سياسات إقصائية. إنّ الاستناد إلى مقاربات تبنتها إدارات ذات توجهات شعبوية، مثل إدارة ترامب في الولايات المتحدة أو حزب “التجمع الوطني” في فرنسا، يؤكد أن الدافع وراء هذه القوانين هو سياسي بامتياز، يهدف إلى استرضاء قاعدة انتخابية معينة عبر تقديم “كبش فداء” في زمن الأزمات. هذه النماذج السياسية، التي ترفع شعارات الحماية، تُفكك في حقيقة الأمر النسيج الاجتماعي وتُعمّق الانقسامات، إذ تحوّل المواطنين إلى فئتين، فئة “أصلية” محصّنة، وفئة “مزدوجة” مهددة، مما يقوّض مبدأ المساواة أمام القانون الذي يُعدّ حجر الزاوية في أي دولة ديمقراطية. إنّ هذا الاستغلال السافر للمخاوف الأمنية لتحقيق مكاسب سياسية قصيرة المدى هو ما يُعرّض البنية الديمقراطية لهذه الدول للخطر، ويجعلها تتنازل عن قيمها الأساسية تحت ضغط الشعبوية، متجاهلة العواقب الوخيمة على المدى الطويل.

إنّ السؤال الجوهري الذي يجب طرحه بجرأة هو : هل يمكن فعلاً اختزال الأمن القومي في عملية طرد وإقصاء؟ وهل يتصور صانعو القرار أن إسقاط الجنسية عن شخص “مشبوه” سيمنع الفكر المتطرف من الانتشار أو سيقضي على جذوره؟ الواقع أن هذه القوانين لا تضرب الإرهاب في مقتل، بل على العكس تماماً، هي تُغذي شعوراً عميقاً بالظلم والتهميش لدى فئة واسعة من الشباب الذين يرون في هذه الإجراءات دليلاً على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وأن انتمائهم الوطني محل شك دائم. هذا الشعور بالإقصاء هو البيئة الخصبة التي تتفشى فيها الأفكار المتطرفة وتجد لها أرضية صلبة للنمو والتجنيد، ليصبح القانون الذي وُضع لمكافحة الإرهاب أداة غير مباشرة لتغذيته. إنّ الأمن الحقيقي لا يتحقق عبر التجريد والإقصاء، بل عبر الدمج والعدالة الاجتماعية واليقظة الأمنية التي تستند إلى معلومات دقيقة وإجراءات قانونية سليمة، وليس إلى الشبهات والتصنيفات الهوياتية. إنّ محاربة التطرف تتطلب استراتيجية شاملة تعالج الأسباب الجذرية للتهميش والإقصاء، بدلاً من الاكتفاء بالحلول العقابية التي لا تزيد المشكلة إلا تعقيداً.

لقد آن الأوان لمراجعة جذرية لسياساتنا الأمنية التي باتت تتخبط بين متطلبات الأمن وحقوق الإنسان. يجب التمييز بوضوح بين محاربة التطرف كفكر وسلوك إجرامي، وبين محاربة فئة سكانية معينة أو التشكيك في ولائها بناءً على أصولها أو جنسيتها المزدوجة. إنّ العدالة الحقيقية لا تُبنى على الشبهة، ولا تُدار بـ “سلاح الجنسية”، بل تُقام على أساس القانون الصلب والكرامة الإنسانية غير القابلة للتصرف. إنّ هذا التوجه نحو التجريد من الجنسية كعقاب إداري يمثل انزلاقاً خطيراً نحو استبدال الإجراءات القضائية الصارمة والمحاكمات العادلة بقرارات سياسية سريعة، مما يقوّض مبدأ سيادة القانون. فالتاريخ يخبرنا أن مثل هذه الإجراءات، التي تبدأ باستهداف فئة معينة تحت ذريعة الأمن، لا تلبث أن تتسع لتشمل معارضي النظام أو أي فئة تُعتبر غير مرغوب فيها سياسياً. إنّ الحفاظ على الجنسية كحق أساسي وغير قابل للسحب إلا في أضيق الحدود ووفقاً لأعلى المعايير القانونية هو صمام الأمان الذي يحمي المجتمع بأكمله من الانجراف نحو الاستبداد. يجب أن تظل العدالة هي المعيار، وأن يظل القانون هو الفيصل، لا الأهواء السياسية أو الحسابات الانتخابية الضيقة. إنّ استعادة الثقة في المؤسسات والعمل على دمج جميع المواطنين بشكل كامل، هو الطريق الأكثر فعالية والأكثر أخلاقية لتعزيز الأمن القومي، بدلاً من اللجوء إلى حلول سريعة وشعبوية تُهدد بتقويض المبادئ الأساسية للدولة الحديثة. إنّ الجنسية هي عقد اجتماعي لا يجوز أن يتحول إلى ورقة مساومة سياسية، وإلا فإننا نكون قد خسرنا المعركة الأخلاقية قبل أن نربح المعركة الأمنية المزعومة، وفتحنا الباب أمام تفكيك مجتمعاتنا بأيدينا. يجب أن تظل المواطنة مظلة حماية للجميع، لا سيفاً مسلطاً على رقاب فئة دون أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!