الفِنتانيل دواء أنقذ أرواحًا فتحوّل إلى قاتل صامت

Fentanyl

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

الفِنتانيل هو واحد من أقوى المسكنات التي عرفها الطب الحديث، ويمثل نموذجًا صارخًا للتناقض بين عبقرية الاكتشاف العلمي وخطورة الانزلاق نحو الاستعمال غير المشروع. صُنِع هذا المركب في ستينيات القرن الماضي كأحد الأفيونات الصناعية الموجهة لتسكين الآلام المستعصية، لا سيما لدى مرضى السرطان أو الحالات الحرجة بعد العمليات الجراحية الكبرى، وقد أثبت فعاليته التي تفوق المورفين بما يقارب خمسين إلى مئة مرة. في بيئة طبية خاضعة لمعايير صارمة، كان الفِنتانيل أداة إنسانية لتخفيف المعاناة، يُعطى عبر لاصقات جلدية أو حقن أو أقراص دقيقة التأثير تحت إشراف متخصصين.

لكن الوجه الآخر لهذا العقار برز حين خرج من جدران المستشفيات ليتحول إلى مخدر قاتل في الأسواق السوداء. بضع ميليغرامات فقط قد تكفي لشلّ الجهاز التنفسي وإحداث الوفاة، وهو ما جعل الفِنتانيل في صدارة أسباب موجة الوفيات الناتجة عن الجرعات الزائدة في الولايات المتحدة وأوروبا خلال العقد الأخير. الأكثر خطورة أن تجار المخدرات غالبًا ما يخلطونه بمواد أخرى مثل الهيروين أو الكوكايين دون علم المستهلك، ما يضاعف احتمالات الموت المفاجئ. هذا السيناريو الكارثي دفع الحكومات إلى إعلان حالة طوارئ صحية، بينما يعيش الأطباء والباحثون حيرة أخلاقية بين قيمة الدواء العلاجية وخطورته حين يُساء استخدامه.

الأعراض الجانبية للفِنتانيل حتى في الاستعمال الطبي تشمل النعاس الشديد والدوخة والغثيان وبطء التنفس، لكن في حالة الجرعة الزائدة سرعان ما تتطور الحالة إلى فقدان الوعي أو الدخول في غيبوبة، وصولًا إلى الموت. هنا يتضح أن الفارق بين العلاج والمأساة لا يتجاوز شعرة، وأن الاستخدام المسؤول هو الحاجز الوحيد الذي يحمي حياة الإنسان.

الفِنتانيل يختصر حكاية معقدة عن ثنائية العلم والجريمة، وعن دواء وُلد ليخفف الألم، لكنه تحوّل بفعل الاستعمال غير المشروع إلى رمز للأزمة العالمية في مكافحة المخدرات. وبينما تتسابق المختبرات لتطوير بدائل أكثر أمانًا، يظل الوعي المجتمعي والرقابة الطبية والصرامة القانونية عناصر أساسية لوقف زحف هذا “القاتل الصامت” الذي لا يرحم جهل المتعاطين ولا جشع المروجين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!