
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في عالم يضج بالصراعات والاتهامات المتبادلة، حيث تتلاطم أمواج الخطاب السياسي وتتداخل الأصوات الناخبين مع البائعين الجائلين، تبرز حكمة الفيلسوف اليوناني سقراط كمنارة هادية، تدعونا إلى وقفة تأمل عميقة في كيفية تعاملنا مع التحديات والإهانات. إن سؤاله الخالد “إذا ركلني حمار، هل أقاضيه؟ أم أشتكي منه؟ أم أركله؟” ليس مجرد لغز فلسفي، بل هو مدخل لتحليل دقيق لطبيعة التفاعلات البشرية خصوصا في وقتنا الحالي، لا سيما في الساحة السياسية المتعفنة، حيث تتجلى أبعاد هذه الحكمة بأكثر صورها وضوحًا وتعقيدًا. إنها دعوة لإعادة تقييم استراتيجياتنا في مواجهة الجهل والعدوان، وكيف يمكن لحكمة بسيطة أن ترسم لنا خارطة طريق نحو الحفاظ على الكرامة والفاعلية في خضم الفوضى.
إن فكرة مقاضاة الحمار، أو بعبارة أخرى، محاولة محاسبة الجاهل، هي تجسيد لمأساة تتكرر في أروقة السياسة والمجتمع. كم من الطاقات أُهدرت في محاولات عقيمة لتعليم السمك الطيران، أو إقناع من لا يرى إلا بعين واحدة بأن هناك ألوانًا أخرى في الطيف؟ في المشهد السياسي، تتجلى هذه المعضلة عندما ينخرط العقلاء في جدالات لا طائل منها مع أطراف لا تملك الحد الأدنى من المنطق أو الرؤية. إن محاولة فرض المعايير العقلانية على من يفتقر إليها، أو السعي لمقاضاة من لا يعترف بقوانين الحوار، لا يؤدي إلا إلى استنزاف الموارد الثمينة: الوقت والجهد والسمعة. يصبح السياسي الذي يقع في هذا الفخ كمن يحاول إطفاء حريق بصب الوقود عليه، فكلما زاد سعيه للمحاسبة، زاد الضجيج والتشويش، وتضاءلت فرص الوصول إلى حلول حقيقية. إنها معركة خاسرة سلفًا، لا تزيد الفاعل إلا ضعفًا وإرهاقًا، بينما يظل الطرف الآخر، كالحمار، غير مدرك لحجم الضرر الذي يلحقه بنفسه وبالآخرين، أو ربما لا يبالي به أصلاً.
أما الخيار الثاني، وهو الشكوى من الحمار، فيحمل في طياته قدرًا كبيرًا من السخرية والعبثية، خاصة عندما نطبقه على الساحة السياسية. أن يشكو العاقل من تصرفات الجاهل أو المتهور، هو بمثابة إعلان عن عجز أو استسلام، بل وقد يتحول إلى مادة للسخرية والتهكم. في عالم السياسة، حيث تتشابك المصالح وتتصارع القوى، فإن الشكوى من الخصوم الذين لا يلتزمون بقواعد اللعبة، أو من الأفعال التي تفتقر إلى الحكمة، قد يُنظر إليها على أنها ضعف أو عدم قدرة على المواجهة. الناس، أو بالأحرى الرأي العام، غالبًا ما يبحثون عن القوة والحنكة في قادتهم، ولا يميلون إلى التعاطف مع من يشتكي من “حمار”، بل قد يقولون: “انظروا إلى هذا السياسي يشكو من خصم لا يستحق الشكوى!”، أو “ألم يكن قادرًا على التعامل مع الموقف بحنكة أكبر؟”. هذه الشكوى، بدلًا من أن تكسب الشاكي تعاطفًا أو دعمًا، قد تفقده المصداقية وتجعله يبدو أقل شأنًا في عيون من يعول عليهم. إنها استراتيجية لا تليق بمن يسعى لقيادة أو تأثير، بل هي أقرب إلى رد فعل عاطفي لا يخدم الهدف الأسمى للحفاظ على المكانة والفاعلية.
يأتي الخيار الثالث، وهو رد الركلة، ليمثل قمة السقوط في مستنقع الحماقة، وهو ما يحذر منه سقراط بوضوح. إذا ركلت الحمار، فأنت لم تعد تختلف عنه كثيرًا، بل أصبحت “حمارًا عاقلاً”، وهي مفارقة مؤلمة. في السياق السياسي، هذا يعني الانجرار إلى مستوى الخصم، وتبني أساليبه الرعناء، والرد على السفاهة بسفاهة أكبر. عندما ينزل السياسي إلى مستوى من يهاجمه بالسباب أو الأكاذيب أو التشويه، فإنه يفقد ميزته الأخلاقية والفكرية. يتحول الصراع من صراع أفكار ورؤى إلى صراع شخصي، لا يخدم إلا أجندة الفوضى والتشويش. إن رد الركلة، وإن بدا في لحظة الغضب ردًا طبيعيًا، إلا أنه في حقيقة الأمر هزيمة ذاتية. إنه إقرار بأن الخصم قد نجح في استدراجك إلى ملعبه، حيث لا توجد قواعد ولا أخلاق، وحيث يفوز الأكثر وقاحة لا الأكثر حكمة. هذا السلوك لا يدمر فقط صورة السياسي، بل يساهم في تدهور الخطاب العام، ويجعل من الصعب التمييز بين الغث والسمين، بين من يسعى للبناء ومن يسعى للهدم. إن الحفاظ على المستوى الرفيع في التعامل مع الخصوم، حتى وإن كانوا لا يستحقون، هو بحد ذاته انتصار أخلاقي وسياسي.
بعد استعراض الخيارات الثلاثة التي تقود جميعها إلى طريق مسدود، يقدم سقراط حله الذكي والعميق: “المشي ببساطة بعيدًا”. هذا الحل ليس هروبًا أو استسلامًا، بل هو قمة الحكمة والسيطرة على الذات والموقف. في عالم السياسة، حيث تتطلب القيادة حنكة وبعد نظر، فإن فن الانسحاب بكرامة هو استراتيجية بالغة الأهمية. عندما ترفض الانجرار إلى مستوى الخصم، فإنك تحافظ على هيبتك ومكانتك. لا تسمح لتصرفات الآخرين بأن تحدد ردود أفعالك أو أن تلوث صورتك. الكرامة السياسية لا تُكتسب بالصراخ أو تبادل الاتهامات، بل بالحفاظ على المبادئ والتعامل بسمو حتى في أحلك الظروف. الجدال مع الجاهل أو الرد على المتهور هو استنزاف هائل للطاقة الذهنية والعاطفية. هذه الطاقة يمكن توجيهها نحو قضايا أكثر أهمية، نحو البناء والإصلاح، نحو خدمة الصالح العام. السياسي الحكيم يدرك أن موارده محدودة، وأن إهدارها في معارك هامشية هو خيانة للمسؤولية الملقاة على عاتقه.
الانسحاب يعني أنك ترفض أن تصبح جزءًا من المشكلة. ترفض أن تتحول إلى “حمار عاقل”. هذا الترفع عن الصغائر هو ما يميز القائد الحقيقي عن مجرد المشارك في الضجيج. إن النزول إلى مستوى الخصم يفقده ميزته، ويجعله مجرد نسخة باهتة من منتقديه. عندما تختار الانسحاب، فإنك تظل المتحكم في زمام الأمور. أنت من يقرر متى وأين وكيف تتفاعل. هذا يمنحك ميزة استراتيجية، حيث يمكنك إعادة تقييم الموقف، واختيار التوقيت المناسب للتحرك، أو ببساطة تجاهل ما لا يستحق الاهتمام. إنها سيطرة على الذات تؤدي إلى سيطرة على الموقف، وتحويل السلبية إلى قوة دافعة نحو الأمام.
إن حكمة سقراط ليست مجرد قصة تُروى، بل هي منهج حياة وفلسفة حكم. في عالمنا المعاصر، حيث تتزايد وتيرة الاستفزازات، وتتعالى أصوات الجهل، وتتعدد محاولات جر العقلاء إلى مستنقعات الصراعات الهامشية، تصبح هذه الحكمة أكثر إلحاحًا وأهمية. إنها دعوة للسياسيين، وللقادة، وللأفراد على حد سواء، بأن يمتلكوا الشجاعة الكافية لرفض الانجرار، والحكمة الكافية لتمييز المعارك التي تستحق الخوض فيها عن تلك التي لا تستحق إلا التجاهل. إن المشي ببساطة بعيدًا عن “ركلة الحمار” ليس ضعفًا، بل هو قمة القوة، لأنه يحافظ على الجوهر، ويصون الكرامة، ويوفر الطاقة لبناء مستقبل أفضل، بعيدًا عن ضجيج الحمير وصراعاتهم العبثية. فهل نتعلم من سقراط كيف نكون سادة مواقفنا، لا أسرى لردود أفعالنا؟