
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في منعطف تاريخي هز أركان المشهد السياسي المغربي، أسدلت محكمة العدل الخاصة في 18 ديسمبر 1972 الستار على واحدة من أخطر قضايا الفساد في تاريخ المملكة، مصدرةً أحكاماً مدوية بالسجن ومصادرة الممتلكات في حق أربعة وزراء سابقين، في قضية كشفت عن شبكة واسعة من الرشاوى والعمولات غير المشروعة التي تورطت فيها شخصيات وازنة وشركات أجنبية كبرى. هذه المحاكمة، التي تابعها الرأي العام بكثير من الترقب، لم تكن مجرد إجراء قضائي، بل كانت بمثابة رسالة سياسية قوية مفادها أن لا أحد فوق القانون، وأن يد العدالة قادرة على أن تطال الجميع، مهما علت مناصبهم.
بدأت فصول هذه القضية المدوية عندما تكشفت خيوط شبكة فساد معقدة، حيث اتُهم اثنا عشر شخصية بارزة، من بينهم وزراء ومسؤولون حكوميون ورجال أعمال، بالحصول على ما يزيد عن مليوني دولار، أي ما يعادل 800 ألف جنيه إسترليني آنذاك، عبر قبول رشاوى ضخمة من شركات أجنبية من ألمانيا الغربية، فرنسا، الولايات المتحدة، وروسيا، مقابل منحها عقوداً حكومية مربحة في مشاريع كبرى. كانت التهم الموجهة إليهم تتعلق بالفساد، الرشوة، واستغلال النفوذ لتحقيق ثراء غير مشروع على حساب المال العام، مما أثار صدمة واسعة في البلاد.
بعد جلسات ماراثونية ومرافعات ساخنة، أصدرت المحكمة أحكامها القاسية التي عكست خطورة الجرائم المرتكبة. حُكم على وزير الأشغال العامة السابق، يحيى شفشاوني، بأقسى عقوبة وهي السجن لمدة 12 عاماً نافذة، نظراً لدوره المحوري في الصفقات المشبوهة. كما أدين وزير المالية السابق، مأمون الطاهري، وحُكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات، بينما نال محمد الجعايدي، وزير التجارة والصناعة والمناجم، حكماً بالسجن لمدة 8 سنوات. أما عبد الحميد كريم، وزير السياحة، فقد حُكم عليه بالسجن لأربع سنوات. ولم تكتفِ المحكمة بعقوبات السجن، بل أمرت أيضاً بمصادرة جميع ممتلكات الوزراء المدانين بما يعادل المبالغ التي ثبت حصولهم عليها بشكل غير قانوني، في خطوة تهدف إلى استرداد الأموال المنهوبة.
لم تقتصر المحاكمة على الوزراء الأربعة فقط، بل شملت آخرين في دائرة الاتهام. فقد تمت تبرئة وزيرين سابقين ورجلي أعمال لعدم كفاية الأدلة، بينما صدرت أحكام بالسجن لمدة أربع سنوات بحق ثلاثة مسؤولين حكوميين آخرين رفيعي المستوى. وفي تطور لافت، حُكم على رجل الأعمال عمر بن مسعود، الذي كانت شهادته مفتاحاً لكشف خيوط القضية وتورط المتهمين، بالسجن لمدة 8 سنوات، مما أضفى على المحاكمة طابعاً درامياً معقداً. هذه الأحكام القوية، التي جاءت في سياق سياسي متوتر أعقب محاولات انقلابية، شكلت حدثاً فارقاً، وأظهرت آنذاك وجود إرادة سياسية عليا لمحاسبة المسؤولين عن جرائم الفساد وحماية مقدرات الدولة.
واليوم ورغم تراجع ترتيب المغرب في مؤشر مدركات الفساد الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية، حيث احتل المرتبة 99 عالمياً من أصل 180 دولة في تقرير عام 2024، مسجلاً تراجعاً مقارنة بالسنوات السابقة. هذا التراجع المستمر منذ عام 2018 يعكس صعوبات في تحقيق تقدم ملموس في هذا المجال.
حيث تشير تقارير هيئات وطنية ودولية إلى أن الفساد في المغرب لم يعد مجرد حوادث فردية، بل أصبح يكتسي طابعاً بنيوياً ومنتظماً في بعض القطاعات. وتنتشر الظاهرة بشكل خاص في مجال الصفقات العمومية، التوظيف، والحصول على الرخص الإدارية والقضاء.
مما يؤثر الفساد بشكل سلبي على مناخ الأعمال وثقة المستثمرين، ويمتص ما بين 4 إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يعيق جهود التنمية. كما أنه يفاقم من التفاوتات الاجتماعية ويهدد الاستقرار.
فعندما تبنى المغرب دستور 2011 الذي نص على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وأنشأ مؤسسات رقابية مثل المجلس الأعلى للحسابات والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها. كما أطلق استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد (2016-2025).
وعلى الرغم من وجود هذا الإطار، تنتقد منظمات المجتمع المدني ما تعتبره “غياب الإرادة السياسية الحقيقية” لمكافحة الظاهرة بفعالية. ويُشار إلى أن اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، التي يرأسها رئيس الحكومة، لم تجتمع إلا نادراً، مما يثير تساؤلات حول جدية تفعيل الاستراتيجيات.
فبين الحين والآخر، تظهر قضايا فساد تصل إلى القضاء وتصدر فيها أحكام، مثل قضية توقيف مسؤول برتبة قائد في مراكش مؤخراً للاشتباه في تورطه في قضية فساد. ومع ذلك، يرى البعض أن المتابعات القضائية غالباً ما تقتصر على موظفين صغار ومتوسطين ولا تطال دائماً “الرؤوس الكبيرة” بنفس الزخم الذي حدث في الماضي، مما يعزز الشعور بالإفلات من العقاب.
نستخلص من كل هذا أن الوضع الحالي يختلف عن محاكمة 1972. فبينما كانت تلك المحاكمة حدثاً استثنائياً وسريعاً استهدف شخصيات سياسية رفيعة المستوى، فإن المعركة ضد الفساد اليوم تبدو أكثر تعقيداً وبطئاً. هناك ترسانة قانونية ومؤسساتية لم تكن موجودة في السابق، لكن فعاليتها تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالتنفيذ، الإرادة السياسية، وتجذر بعض أشكال الفساد في النظام الإداري والاقتصادي.