بنسليمان إقليم الفساد الذي تحدى الدولة!

المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

ما يحدث في إقليم بنسليمان ليس مجرد فساد عابراً، بل هو نموذج صارخ لانهيار مؤسسي يهدد أسس الحكامة المحلية، بل ويسائل جدوى الجهوية الموسعة والتنمية المجالية التي يفترض أن تكون حلاً لا جزءاً من المشكلة. فالإقليم الذي تحول إلى وكر للفساد الممنهج، حيث تتهاوى كل الخطوط الحمراء، لم يعد يخجل من إظهار تقاطعاته المفضوحة بين الإدارة والأعمال، بين السياسة والجريمة المنظمة، بين القانون ومصالح النخب المحلية التي تفرض شروطها حتى على الدولة.

إشارات عاهل البلاد الملك محمد السادس نصره الله في خطاب العرش الأخير لم تكن مجرد تحذيراً روتينياً، بل كانت صيحة مدوية تعكس استشراء الورم، خاصة بعد هجرة “آيت بوكماز” الجماعية التي كشفت زيف الادعاءات الرسمية حول التنمية. لكن يبدو أن الرسالة لم تُفهم، أو أن هناك من يرفض فهمها. فاجتماعات وزير الداخلية المتعاقبة، وتوجيهات النيابة العامة بالإفراج عن الملفات العالقة – ومن بينها ملفات بنسليمان – لم تفض إلى أي تحرك ملموس، بل زادت الطين بلة. فهل يعقل أن تتحول التعليمات الملكية إلى مجرد “بروتوكول بيروقراطي” يُختزل في تقارير مزيفة ولجان صورية؟

فقضية التدبير المفوض للنظافة في مدينة “السيبة” ليست سوى غيض من فيض. فكيف تُقبل صفقة بقيمة 8.4 مليون درهم لستة أشهر، بينما دراسة الجدوى حددت 1.2 مليار سنتيم للسنة؟ أليست هذه أرقاماً فاضحة تُدين كل من شارك في المسرحية؟ بل الأكثر استفزازاً أن الشركة نفسها قد تفوز بالصفقة مجدداً بمبلغ مضاعف، وكأن المال العام مجرد “غنيمة” تُقسّم في سوق نخاسة. هنا، السؤال ليس عن الشركة، بل عن “الجهة التي تكرسها” داخل أروقة الجماعة والسلطة المحلية. فمن يجرؤ على تسمية هذه الشبكة؟ ونحن نعلم ان السوري صاحب المهدي المنتظر ابهذه الطريقة ستزيد بالبلاد الى الأمام؟ وهل  اصبح مبدأ “باك صاحبي” هو المسيطر؟ أليست هذه أساليب شيطانية فاسدة ومعيبة تضرب عمق جذور التنمية المجالية والفوارق الطبقية التي تحدث عنها الملك؟!

المفارقة أن الفساد في بنسليمان لم يعد يحتاج إلى أدلة، فهو يمارس بوقاحة تصل حد الاستفزاز. فلو فتحت الدولة تحقيقات جدية في ممتلكات بعض المسؤولين المحليين أو شركائهم، لظهرت مفاجآت تُعيد إلى الأذهان مقولة “من أين لك هذا؟”. لكن يبدو أن الإقليم يعيش في “منطقة حصانة”، حيث الفساد يُدار بآليات قانونية مزيفة، تُحوّل القضاء إلى أداة تبرير، والمفتشيات إلى ديكور إداري.

بل الخطر الأكبر هو تحول بنسليمان إلى نموذج يُحتذى به. فإذا كان الفساد بهذا المستوى من العلنية في ظل خطاب ملكي صارم، فما بالك بالأقاليم التي لا تُسلط عليها الأضواء؟ السكوت اليوم يعني أن “السرطان” قد انتشر، وأن العلاج لن يكون إلا بصدمة قضائية وسياسية تعيد الاعتبار لدولة القانون. فهل من مُستعد لخوض المعركة؟ أم أننا سنسلم لرواية الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس “يا عزيزي كلنا لصوص”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!