كيف حوّل الطغاة البشر إلى دجاج مُذعِن؟

المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في زوايا التاريخ المظلمة، حيث تُختزل الإنسانية إلى مجرد أدوات في يد السلطة، تُروى حكاية تكشف جوهر الاستبداد بأبشع صوره. ليست مجرد قصة دجاجة نتف ريشها، بل هي مرآة تعكس الآلية التي يُحطَّم بها كرامة البشر، ثم يُعاد تشكيلهم ليعبدوا يدَ من سحقهم. ستالين، ذلك المهندس البارع للرعب، لم يكتفِ بتحويل الاتحاد السوفييتي إلى سجن كبير، بل أراد أن يمنح أعوانه “درسًا” في فن السيطرة، فاختار دجاجة حية لتكون الضحية والرسالة معًا.

بينما كان الرفاق يراقبون بذهول، انتزع ستالين ريش الدجاجة واحدة تلو الأخرى، حتى تحولت إلى كتلة مرتعشة من الألم. ثم، ببرود السادي الخبير، ألقى أمامها حبات الشعير، فإذا بالدجاجة الجريحة، بدلًا من أن تهرب، تزحف إلى جلادها وتلتصق بقدميه طلبًا للنجاة. هنا، ابتسم الزعيم وقال كلمته المشهورة: “هكذا تُحكم الشعوب”. لم تكن العبرة في القسوة فحسب، بل في ذلك الاكتشاف الشيطاني: أن الإنسان، إذا جُوع وعُذِّب ثم مُنح فتاتًا، سينسى الضربات ويُقبِّل السوط.

الدرس الستاليني لم يمت معه. فما زال الحكام المستبدون، من كوريا الشمالية إلى سوريا، يقلدون نفس الإستراتيجية يُفرغون المواطن من أمنه، صحته، مستقبله، ثم يرمون له بفتات “إحسان” أو “حماية” لضمان ولائه. النظام السوري، مثلًا، دمّر البلاد ثم قدّم نفسه كـ”منقذ” من الإرهاب، بينما الإرهاب الحقيقي كان بطرده الناس من بيوتهم. وفي فنزويلا، جُوع الشعب حتى أصبحت وجبة واحدة في اليوم حلمًا، ثم وُزعت “صناديق غذاء” تحمل صور الزعيم!

لكن السؤال الأهم، لماذا ينجح هذا الدرس الأحقر؟ لأن الخوف والجوع يُفقدان العقلَ قدرته على التحليل. عندما يُقطع التيار الكهربائي لأشهر، يصبح ساعة من الكهرباء “هدية إلهية”. وعندما تُنهب رواتب الموظفين، يُعتبر منحهم قرضًا بـ”فائدة مخفضة” دليلًا على “كرم الدولة”. الطغاة يعرفون أن الإنسان، مثل الدجاجة، سيلوذ بمن يطعمه حتى لو كان جلاده.

لكن التاريخ يخبرنا أن هذه اللعبة لا تدوم إلى الأبد. فالشعوب، رغم كل شيء، ليست دجاجًا. قد تطيل معاناتها، لكنها تفيق يومًا ما لتكتشف أن السلطة ليست “منقذًا”، بل سبب الدمار. حينها، لن تنفع كل حبات الشعير في العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!