
المصطفى الجوي – موطني نيوز
حين يصدر كتاب قانوني في بلد يشهد تحولات عميقة في سياسته الجنائية، فإن قيمته لا تُقاس بعدد صفحاته ولا بغزارة نصوصه، بل بقدرته على تمكين قارئه من التفكير القانوني السليم. وهذا ما يسعى إليه الدكتور نبيل مدني في مؤلفه الجديد “الوجيز التحليلي في القانون الجنائي العام المغربي : الاستدلال الجنائي، المنهجية والتطبيقات العملية”، الصادر عن منشورات “أبي رقراق” للنشر والتوزيع في أزيد من 243 صفحة من القطع المتوسط، والذي يعزز به المكتبة القانونية والقضائية المغربية بإضافة علمية تتجاوز منطق الشرح التقليدي.
فالمتأمل في عنوان الكتاب يدرك أن صاحبه اختار موقعا مختلفا عن غالبية المؤلفات الجنائية العامة، إذ جعل “الاستدلال الجنائي” و”المنهجية” في صدارة العنوان، لا في هامشه. وهو اختيار يعكس وعيا بأن أزمة تكوين الباحث والممارس لا تكمن دائما في نقص المعرفة بالنصوص، بل في ضعف القدرة على توظيفها، أي في الانتقال من قراءة القاعدة إلى إنزالها على واقعة حية بما تحمله من تعقيد والتباس. وهنا تتجلى القيمة المضافة لهذا الإصدار، فهو يقدم معالجة محينة وشاملة لأحكام القانون الجنائي العام المغربي، ويجمع بين التأصيل النظري للقواعد والبعد التطبيقي للعمل القضائي في بناء واحد متماسك.
ولا يكتفي المؤلف بعرض النصوص التشريعية وآراء الفقه، بل يمضي أبعد من ذلك حين يتجه إلى تدريب القارئ على التعامل مع النوازل والملفات القضائية الواقعية. وهذه المقاربة تنسجم مع طبيعة القانون الجنائي ذاته، فهو علم لا يكتمل فهمه بالحفظ، وإنما بالممارسة المنهجية القائمة على تحليل الوقائع وتكييفها واستخراج القاعدة الواجبة التطبيق. ومن ثمة يصبح الكتاب أقرب إلى ورشة تكوينية مفتوحة منه إلى متن نظري جامد.
وتتأكد هذه الروح البيداغوجية في الأدوات التي حرص الدكتور مدني على إدراجها ضمن مؤلفه، وفي مقدمتها دليل للتكييف القانوني يقترح خطوات عملية لتوصيف الوقائع واستنباط النصوص المنطبقة عليها، وهي مرحلة تشكل جوهر الصنعة القانونية وأكثر ما يتعثر فيه الطلبة والممارسون المبتدئون. ويضاف إلى ذلك حالات عملية وموضوعات مصححة تتيح للطالب والممارس اختبار مهاراته على نماذج تطبيقية موجهة، وقراءة في الاجتهاد القضائي تقوم على التعليق على قرارات صادرة عن محكمة النقض ومحاكم الموضوع، بما يربط القارئ بالمنحى الفعلي الذي تسلكه الاجتهادات القضائية. كما اعتمد المؤلف بطاقات تركيبية وجداول بيداغوجية تيسر استيعاب المفاهيم المعقدة وضبطها، وتمنح الكتاب طابعا وظيفيا يخدم المراجعة والتحصيل.
ومما يمنح هذا الإصدار أهمية خاصة مواكبته الفورية للمستجدات التي تعرفها المنظومة الجنائية المغربية، وفي طليعتها أحكام القانون المتعلق بالعقوبات البديلة. فهذا الورش التشريعي يعكس تحولا في فلسفة العقاب من التركيز على السجن إلى البحث عن بدائل أكثر نجاعة وإنسانية، وقد أحسن المؤلف حين جعل كتابه يستوعب هذا التحول، فبات مرجعا محينا يستجيب لمتطلبات النقاش القانوني الراهن وللتوجهات الحديثة للسياسة الجنائية بالمغرب، بدل أن يظل أسير قراءة تجاوزتها التطورات.
وعليه، فإن “الوجيز التحليلي في القانون الجنائي العام المغربي” يصلح خيارا مثاليا ومرجعا مكثفا لطلبة الحقوق والباحثين في العلوم الجنائية، كما يفيد القضاة والمحامين وسائر الفاعلين في حقل العدالة الجنائية الراغبين في ضبط المنهجية القانونية والاطلاع على أحدث المستجدات. وبهذا يرسخ الدكتور نبيل مدني مكانته في الساحة القانونية المغربية بوصفه مؤلفا يدرك أن الكتاب القانوني الناجح هو الذي يصنع القارئ القادر على التحليل والاستدلال، لا القارئ المكتفي بالحفظ والاسترجاع.