حصار ناعم

مارلين ميخائيل
مارلين ميخائيل

بقلم  مارلين ميخائيل – موطني نيوز 

يبدأ الأمر دائمًا بلا صوت، كما يبدأ التسمم، نفَسًا نفَسًا، دون أن نشعر بالجرعة وهي تتراكم في الدم، هم لا يقتحمون حياتنا كاللصوص، بل يتسللون إليها كالرطوبة إلى الجدران: ببطء، بصبر، حتى يصيروا جزءًا من البنية، فيصعب علينا أن نميز بين ما هو “نحن” وما هو “أثرهم” فينا.

يشبهون النبات المتطفل الذي يلتف حول الجذع الأصلي، لا لينمو بجواره، بل ليمتص عصارته حتى يذبل الأصل وهو لا يزال واقفًا، ويشبهون أيضًا المرآة المعكوسة: نظن أننا ننظر إلى أنفسنا حين نكون معهم، بينما نحن في الحقيقة ننعكس على مقاس حاجتهم، لا على حقيقتنا.

وكما تسحب الجاذبية الأجسام الصغيرة نحو مركز أكبر منها دون أن تطلب إذنًا، كذلك يسحبوننا نحو مدارهم، مستخدمين خيوطًا لا تُرى: الذنب، والعادة، والدَّين العاطفي المزعوم، لا يعلنون الحرب، بل يفرضون الحصار — حصارًا ناعمًا، مؤثثًا بالابتسامات وذكريات مشتركة، لكنه يترك الروح في النهاية جافة كأرضٍ استُنزفت مياهها الجوفية دون أن يهطل عليها مطر.

هولاء هم “مصّاصو الحضور”: لا وحوش بأنياب ظاهرة، بل ظلال تتقن التنكر في هيئة الحب، الصداقة، أو واجب الدم — تسحب منا الطاقة كما يسحب القمر البحر، بصمتٍ وثبات، حتى نستيقظ يومًا فارغين، لا نعرف متى ابتدأ المد، ولا متى انسحب منا كل هذا الماء.

الحرية الإنسانية لا تعترف بأي استحقاق يُفرض عليها بالقوة أو بالعادة أو بسلطة الزمن، حين يظن أحدهم أن وجوده في حياتنا “حقٌّ مكتسب”، لا يُناقش ولا يُراجَع، فإنه في الحقيقة يستبدل العلاقة بالسلطة، ويستبدل الحضور بالوصاية، إنه يتوهم أن الزمن الذي قضاه بقربنا، أو الدور الذي لعبه في حياتنا، قد تحوّل تلقائيًا إلى صك ملكية على وجودنا — وهذا وهمٌ يناقض جوهر الحرية.

فالإنسان الحر لا يدين لأحد باستمرار حضوره، مهما بلغت الروابط القديمة أو الالتزامات المتوارثة، كل علاقة يجب أن تُجدَّد اختيارها في كل لحظة، لا أن تُفرض بحكم الاستحقاق أو الإلف، فمن يتعامل مع قربه منا كأنه واجبٌ لا يُسأل عنه، إنما يمارس شكلاً من أشكال المصادرة — مصادرة الإرادة تحت غطاء الألفة أو القرابة أو “الحق” المزعوم.

وهؤلاء تحديدًا هم من يُستنزف الآخرون في حضورهم، لا لأنهم يطلبون علنًا، بل لأن مجرد وجودهم يفرض التزامًا خفيًا، عبئًا عاطفيًا لا ينتهي. إنهم يتغذّون على شعورنا بالذنب إن ابتعدنا، وعلى إحساسنا بالواجب إن قاومنا، وهذا هو جوهر استنزاف الطاقة: أن يتحول القرب إلى فخ أخلاقي، فيه الاستمرار عقابٌ، والانسحاب خيانة.

ولذلك فإن الابتعاد عن هؤلاء ليس قسوة، بل استعادة للحرية من قبضة استحقاقٍ زائف، فحين يسقط الوهم بأن أحدًا “يستحقنا” بحكم الماضي أو الصفة أو العلاقة، يتحرر الإنسان ليختار من جديد ..لا لأنه مدين، بل لأنه حر.

الصداقة والقرابة لا تُعفيان أحدًا من شرط الحرية، بل تجعلان اختبارها أشد دقة وأصعب مواجهة، فكثيرًا ما نخلط بين “القرب بحكم الرابطة” و”القرب بحكم الاختيار المتجدد”، فنُسامح الاستنزاف حين يأتي من صديق أو من أهل أو من زوج أو من زوجة ، ظنًّا منا أن الدم أو تاريخ العشرة يمنحهما حقًا لا يُسأل عنه.

لكن الرابطة العائلية أو الصداقة القديمة، مهما بلغت قداستها الاجتماعية، لا تتحول تلقائيًا إلى استحقاق أخلاقي دائم، فالأهل الذين يستدعون سلطة الدم ليبرروا تدخلهم أو استنزافهم لطاقتنا، والأصدقاء الذين يستدعون سلطة الماضي ليبرروا استمرار حضورهم رغم أنه بات مرهقًا ، كلاهما يمارس النوع نفسه من المصادرة، وإن اختلف الغطاء: الغطاء هنا “الحب الواجب” أو “الوفاء المفروض”، بدلاً من “الحق المكتسب”.

والمفارقة الأعمق أن استنزاف الطاقة من الأقربين أصعب على الإدراك، لأن الحب الحقيقي الذي قد يكون موجودًا فعلاً يُستخدم كستار يُخفي الاستنزاف، فيصعب التمييز بين “أحبك ولذلك أقترب” و”أحبك ولذلك يحق لي أن أستهلكك”، الحب لا يُلغي حدود الحرية، بل يُفترض أن يحترمها أكثر من غيره.

فالمعيار لا يتغير بتغيّر الصفة، صديقًا كان أو أهلاً: هل هذا القرب يتجدد باختيار حر متبادل، أم يُفرض بحكم الرابطة وحدها؟ وهل الشعور الذي يصحب الابتعاد هو ذنبٌ مزروع، أم حزنٌ طبيعي على علاقة حقيقية انتهت صلاحية شكلها الحالي؟ فحين يكون الجواب هو الأول، تبقى المسافة ضرورة، حتى وإن كانت مؤلمة، وحتى وإن حملت اسم “أب” أو “أخ” أو “صديق العمر”.

وفي النهاية، يبقى الوعي هو الحارس الوحيد على حدود الحرية، فالاستحقاق الزائف لا يُكسر بالمواجهة وحدها، بل بأن يستيقظ الإنسان على حقيقة بسيطة وقاسية: أن حضوره في حياة أحد، أو حضور أحد في حياته، لم يكن يومًا صكًّا مؤبدًا، بل عهدًا يتجدد أو ينتهي.

فمن يعي هذا، لا يعود يخلط بين الحب والواجب، ولا بين الوفاء والاستسلام، ولا بين القرابة والملكية، يصبح قادرًا على أن يقول: “أحببتُ، وربما ما زلتُ أحب، لكن الحب لا يمنح أحدًا حقًا في استهلاكي.” وعندها فقط تصير المسافة فعل حرية لا خيانة، والانسحاب استعادة للذات لا قسوة تجاه الآخرين.
الوعي، في جوهره، هو أن نكف عن معاملة الزمن والدم والعادة كأدلة على استحقاق، وأن ندرك أن كل رابطة — مهما قدُمت أو قدُست — تبقى مُعلَّقة على سؤال واحد: هل ما زلتُ أخترها اليوم؟ فإن كان الجواب لا، فلا صداقة تُلزم، ولا قرابة تُكره، ولا ذاكرة مشتركة تُقيّد إرادة حرة اختارت أن تمضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!