
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في مكانٍ ما من هذا الوطن، حيث تنتهي الطرق وتضيق سبل العيش، تقيم السيدة حسيبة، امرأة في عقدها الثامن، داخل كهفٍ لم تختره، على الأرجح، إلا بعدما أُغلقت في وجهها أبواب كثيرة، وتخلّى عنها مجتمعٌ كان يفترض أن يحميها، ومؤسساتٌ كان يفترض أن تسأل عنها قبل أن تسألها صناديق الاقتراع عن أصواتها.
حسيبة ليست خبراً عابراً يُستدعى حين تشتدّ الحاجة إلى صورة مؤثرة، وليست مشهداً حزيناً يُعرض على الشاشات لساعات، ثم يُطوى مع بقية الأخبار. إنها امرأة مغربية، مواطنة لها حق أصيل في السكن والكرامة والرعاية، لكنّها وجدت نفسها تعيش في ظلام كهف، فيما تواصل المدن احتفالها بمشاريع التنمية، وتتنافس المؤسسات في عرض أرقامها، ويتبادل المسؤولون عبارات النجاح على المنصات والصفحات الرسمية.
ما أشدّ قسوة المفارقة بين وطنٍ يفاخر بإنجازاته التقنية، ويحدّث الناس عن الأقمار الصناعية والرقمنة والذكاء الاصطناعي، وبين امرأة مسنّة لم تستطع كل تلك الوسائل أن تقود أحداً إلى عزلتها، أو أن تكشف معاناتها، أو أن تضع سقفاً يحميها من برد الليل وقسوة الفصول. لا مشكلة في امتلاك التكنولوجيا، بل المشكلة في أن تتحول التكنولوجيا إلى واجهة براقة تخفي عجزاً أخلاقياً عميقاً، وأن يصبح الإنسان آخر ما يُرى في وطنٍ يفترض أن تكون كرامته أول الأولويات.
كم من مسؤول مرّ بالقرب من معاناة حسيبة دون أن يراها؟ وكم من منتخب طرق الأبواب بحثاً عن أصوات الناخبين، ثم لم يجد طريقاً إلى امرأة أنهكها العمر والوحدة؟ وكم من مؤسسة تحمل اسم التضامن والرعاية الاجتماعية، لكنها لم تصل إلى كهفٍ كان ينبغي أن يكون عنواناً صارخاً لفشل منظومة الحماية الاجتماعية، لا تفصيلاً هامشياً في قرية بعيدة؟
إنّ السؤال المؤلم ليس فقط : أين كانت الدولة؟ بل أيضاً : أين كان الجار؟ أين كانت الجماعة؟ أين كان عون السلطة؟ أين كانت جمعيات المجتمع المدني؟ وأين كانت تلك العيون التي لا تفوّت تفاصيل صغيرة حين يتعلق الأمر بالمصالح والانتخابات والمناسبات الرسمية؟ لقد بدت حسيبة، طوال سنوات، كأنها امرأة غير مرئية، لا لأن جسدها شفاف، بل لأن اللامبالاة كانت أثقل من أن تسمح لأحد برؤيتها.
ولا يكفي اليوم أن تتجه الكاميرات نحوها، وأن تتسابق المنابر إلى نقل صورتها، وأن تُفتح صفحات التواصل الاجتماعي على مشهد بؤسها. فالإعلام الذي يكشف الألم يمكن أن يكون صوتاً للضعفاء، لكنه قد يتحول أيضاً إلى قسوة جديدة إذا اكتفى بعرض المأساة دون أن يساهم في إنقاذ صاحبتها. حسيبة لا تحتاج إلى دموعٍ أمام العدسات، ولا إلى عبارات شفقة مؤقتة، ولا إلى حضورٍ موسمي ينتهي بانتهاء البث. إنها تحتاج إلى يدٍ تمتد إليها، وإلى بيتٍ آمن، ورعايةٍ صحية واجتماعية، وإلى اعترافٍ بسيط بأنها إنسانة لا يجوز أن تُترك وحيدة في كهف بينما ينشغل الآخرون بتلميع صورة المؤسسات.
إنّ تحويل معاناة حسيبة إلى مادة للصراع الحزبي سيكون ظلماً جديداً يضاف إلى الظلم الذي عاشته. فمأساتها أكبر من أن تُختزل في تبادل الاتهامات، وأعمق من أن تُستعمل لتصفية حسابات سياسية عابرة. المسؤولية، قبل أن تكون مسؤولية شخص أو جهة، هي مسؤولية منظومة كاملة لم تنتبه إلى امرأة مسنّة إلا بعدما صار ألمها قابلاً للتصوير والنشر والتداول.
حسيبة ليست حالة فردية فحسب، بل مرآة تكشف ما قد تخفيه لغة المشاريع والبرامج والخطابات. إنها تذكير قاسٍ بأن التنمية التي لا تصل إلى أضعف المواطنين تبقى ناقصة، وأن الدولة لا تُقاس فقط بارتفاع بناياتها، ولا بعدد مشاريعها، ولا بحجم إنجازاتها الرقمية، بل بقدرتها على حماية من لا يملك صوتاً ولا نفوذاً ولا وسيلة للوصول إلى المسؤولين.
في الكهف الذي تقيم فيه حسيبة، لا يسكن الفقر وحده؛ هناك أيضاً سؤال العدالة، وسؤال المسؤولية، وسؤال الضمير. هناك تختبر الدولة حقيقتها بعيداً عن الخطب الرسمية والصور الملوّنة. فإذا كانت الدولة حاضرة في المدن والوثائق والمكاتب، وغائبة عن امرأة عجوز تقاوم برد الليل ووحشة المكان، فذلك يعني أن حضورها لم يكتمل بعد، وأن بين مؤسساتها وبين مواطنيها مسافة لا تقطعها الشعارات.
لقد تأخر الوصول إلى حسيبة كثيراً، وربما لا تزال هناك نساء ورجال آخرون يعيشون المأساة نفسها في صمت، بعيداً عن الكاميرات، لا يعرفهم أحد ولا يسأل عنهم أحد. لذلك فإن إنقاذ حسيبة يجب ألا يكون استجابة عاطفية عابرة، بل بداية مراجعة حقيقية لآليات الرصد الاجتماعي، ولأدوار الجماعات المحلية، ولطرق حماية المسنين والفئات الهشة، حتى لا يظل الفقر متخفياً خلف الجدران والجبال والقرى المنسية.
حسيبة لا تطلب المستحيل. إنها تطلب حقاً بسيطاً في الحياة خبزا وشايا وسكر، وركناً آمناً تنام فيه، ووجهاً إنسانياً يطمئن إليها دون مصلحة أو حساب. وما عدا ذلك، فإن كل ما يُقال عن الحداثة والتنمية والعدالة سيظل ناقصاً، وربما جارحاً، ما دامت امرأة في الثمانين تُترك لتواجه مصيرها داخل كهف.
سيبقى مشهد حسيبة عالقاً في الذاكرة، لا لأنه مشهد نادر، بل لأنه يكشف ما نحاول طويلاً أن نخفيه : أن الإنسان قد يصبح مجهولاً في المكان الذي وُلد فيه، وأن المؤسسات قد ترى الأرقام ولا ترى الوجوه، وأن الصمت، حين يطول أمام الألم، يتحول من حيادٍ إلى مشاركة.
رحم الله ضمائرنا إن كانت لا تزال قادرة على الاستيقاظ، وأنقذ حسيبة قبل أن يتحول كهفها إلى قبر مفتوح، وقبل أن تصبح صورتها ذكرى أخرى تتناقلها الصفحات، ثم تنساها كما نُسيت هي طويلاً.