الفعل وظِلّه

مارلين ميخائيل
مارلين ميخائيل

بقلم مارلين ميخائيل – موطني نيوز 

في زمن اصبحت اللحية اطول من صلاة وقياس التدين بعدد الفيديوهات الدينية اللي عملوها شير والقلب لسه مسحوب منها الرصيد. 

يرفع يديه للادعاء وكأنه ملاك وينزلهما على الناس أذى وكانه شيطان .. تدين يزدهر ظاهره لا بحثا عن الحب بل بحثاً عن التصفيق تدين لا يبتغى القلوب ، بل يبتغى الحناجر التي تهتف باسمه واعناق تنحني “التدين ما يفعل لا ما يقال ، وما يعاش لا ما يعلن “.

لكل فعل ديني وجهان: وجه داخلي، هو النية والصدق مع النفس، ووجه خارجي، هو الصورة التي يراها الناس، المشكلة تبدأ حين يكبر الوجه الخارجي على حساب الداخلي، ويظن انه على الطريق الصحيح وقتها يصبح الفعل نفسه مجرد وسيلة لبناء صورة، لا تعبيراً عن حال حقيقية، عندها لا يعود الإنسان يسأل نفسه “هل أنا صادق؟” بل يسأل “هل ظهرت بالصورة المطلوبة؟”، وهذا انقلاب خطير، لأن الميزان يتحول من ميزان داخلي (الضمير) إلى ميزان خارجي (نظرة الناس).
أرسطو قال: الإنسان الفاضل حقاً هو من يفعل الخير حتى لو لم يره أحد، لأن الفضيلة عنده صارت طبعاً فيه، لا مجرد تمثيل لمناسبة، أما من يحتاج دائماً إلى جمهور ليتصرف بأخلاق، فهذا يعني أن الفضيلة عنده لم تترسخ بعد، بل ما زالت أداءً يُقدَّم على مسرح.

في العمق، الإنسان مخلوق يحتاج أن يرى ويعترف ويهتم به على وجهه الخصوص، هذا ليس عيباً بحد ذاته، بل هو جزء من الطبيعة البشرية ؛ حتى فيلسوف بحجم هيغل بنى جزءاً كبيراً من فكره على فكرة أن الإنسان لا يكتمل وعيه بنفسه إلا حين يشعر أن الآخرين يعترفون به ، فإن التديّن الظاهري ليس انحرافاً عرضياً عن جوهر الدين، بل هو تجلٍ لبنية الوعي الإنساني ذاتها: الحاجة الذاتية للإنسان إلى الاعتراف تخترق حتى أكثر الأفعال ادّعاءً للتعالي عن الاعتراف البشري، هنا اصبح الفعل الديني، حين يتحوّل إلى وسيلة لكسب الاعتراف، يعيد إنتاج علاقة السيادة والعبودية داخل الحقل الروحي نفسه: يصبح “الناظرون” سادة، والمتديّن الباحث عن نظرتهم عبداً لحكمهم، رغم أن غاية الدين المعلنة هي تحرير الإنسان من عبودية غير المطلق يعنى : بدل أن يتحرر الإنسان من حاجته لرضا الناس، يصبح أسيراً لها أكثر من أي وقت مضى، لكن هذه المرة تحت غطاء ديني يصعب الاعتراض عليه.

أي إنسان عادي من المفروض ؛ إيمانه باطني تماماً، لا يحمل علامة خارجية، ولا يسعى إلى إظهار تدينه، حيث الفعل يقاس بأثره على المشاهد لا بصدقه الباطني، والأخطر أن يوصف كل هذا “باليأس” ..أي فشل الذات في أن تكون ذاتها أمام المطلق، البديل عن ذلك بأن تكون كما يريدها الآخرون أن تُرى.

لماذا يسعى وراء كل هذا ؟
حين يبحث شخص عن الظهور بمظهر المتديّن، فهو غالباً يحلم، دون أن يعترف بذلك حتى لنفسه، بأشياء من هذا القبيل :

أن يُنظر إليه بتقدير واحترام في محيطه..أن يشعر بأنه أفضل أخلاقياً من غيره، وهذا يمنحه راحة داخلية مؤقتة..أن ينتمي إلى جماعة تمنحه الأمان والقبول.

أن يعوّض شعوراً خفياً بالنقص أو عدم الكفاية، عبر مكانة يظن أنها تثبت قيمته.

النتيجة المتخيَلة، إذن، ليست دينية بالمعنى الدقيق، بل هو شعور: ثقة، مكانة، شعور بالتفوق الأخلاقي، وانتماء آمن إلى جماعة تمنح الفرد إحساساً بالقيمة كان عاجزاً عن إنتاجه من ذاته.

و في النهاية مفارقة أن الدين، في جوهره، جاء ليحرر الإنسان من عبودية غير الله، ومن أهمها عبودية “ماذا سيقول الناس”. فإذا تحوّل التديّن نفسه إلى وسيلة لإرضاء نظرة الناس، يكون قد انقلب على غايته الأولى دون أن يشعر صاحبه، وهنا يكمن أعمق درس نفسي وفلسفي في هذه المسألة: أصدق لحظات الإنسان مع نفسه ومع ربه هي تلك التي لا يراها فيها أحد على الإطلاق.

One thought on “الفعل وظِلّه”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!